أكثر الهجمات الإيرانية كثافةً وحدّة كانت موجّهة ضد الإمارات العربية المتحدة. وبحسب ما أعلنته وزارة الخارجية الإماراتية، تعرّضت الدولة خلال هذه الأيام الستة لنحو ألف هجوم صاروخي وبالطائرات المسيّرة. هذا الحجم من الهجمات لم يثر فقط دهشة السياسيين وشعوب المنطقة واستياءهم، بل إن بعض الإيرانيين أيضاً أبدوا استغرابهم عندما شاهدوا حرائق في بعض المنشآت المدنية والهجمات على مطارات الإمارات. وقد أثار ذلك سؤالاً مهماً لدى كثيرين: ما أسباب هذا الحجم الكبير من الهجمات؟ وما الفارق، من وجهة نظر مسؤولي الجمهورية الإسلامية، بين الإمارات وبقية دول الخليج مثل السعودية وقطر والكويت والبحرين؟
للإجابة عن هذا السؤال يمكن التوقف عند ثلاثة أسباب رئيسية وشرحها:
أولاً، أعلن المسؤولون الإيرانيون أن أحد أهم أسباب استهداف القواعد الأميركية في المنطقة هو الانتقام من الولايات المتحدة بسبب مشاركتها في اغتيال خامنئي. وبالرجوع إلى مواقف خامنئي يمكن القول إنه كان يحمل نظرة سلبية جداً تجاه سياسات دولة الإمارات، وقد عبّر عن هذه النظرة مراراً في خطاباته وقراراته من دون تحفظ.
سخر خامنئي مراراً وبشكل ضمني من التقدم والتنمية في دولة الإمارات العربية المتحدة، معتبراً أن بناء الأبراج وناطحات السحاب لا يدل بالضرورة على التطور الحقيقي. وقد جاء موقفه هذا ردّاً على الإيرانيين الذين كانوا يقارنون باستمرار بين الإمارات وإيران وينتقدون سياسات الجمهورية الإسلامية.
في المقابل، ينظر كثير من الإيرانيين بإيجابية إلى التقدم الذي حققته الإمارات وطريقة إدارة قادتها، خصوصاً في دبي وأبوظبي والشارقة. ولهذا السبب، وخلال العقود الأربعة الماضية، لم يكتفِ العديد من رجال الأعمال الإيرانيين بالاستثمار على نطاق واسع في الإمارات، بل أصبحت هذه الدولة أيضاً واحدة من أهم الوجهات السياحية المفضلة لدى الإيرانيين.
إلى جانب ذلك، وخلال العامين الأخيرين، عندما اقترحت الولايات المتحدة مرات عدة نقل المفاوضات المتعلقة بالاتفاق النووي من مسقط، عاصمة سلطنة عُمان، إلى الإمارات، بل حتى عندما نقل مستشار رئيس دولة الإمارات أنور قرقاش رسالة من الولايات المتحدة إلى إيران، ردّ خامنئي سلباً على هذه المقترحات، مظهراً عدم ثقته بالمسؤولين الإماراتيين.
وبناءً على ذلك، يبدو أن قادة الحرس الثوري الإيراني، وهم يعرفون جيداً مواقف خامنئي، صمّموا ونفذوا هذه الهجمات الواسعة ضد الإمارات بهدف التحرك بما يتوافق تماماً مع توجهات المرشد الراحل.
2- ثانياً، الخلافات التاريخية حول الجزر الثلاث: أبو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى.
فقد ذكرت بعض المصادر الإعلامية ووسائل الإعلام المقربة من الحكومة الإيرانية قبل اندلاع الحرب أن أحد المخططات المشتركة بين الولايات المتحدة وإسرائيل في حال نشوب الحرب يتمثل في السيطرة على هذه الجزر التي تخضع حالياً لسيادة إيران، وأن دول مجلس التعاون الخليجي قد ترحّب بمثل هذه الخطوة. وكان جواد ظريف، وزير الخارجية الإيراني الأسبق، قد حذر سابقاً من هذا السيناريو.
وبناءً على ذلك، فإن الهجوم الشديد على الإمارات قد ينظر إليه المسؤولون الإيرانيون على أنه إجراء ردعي لمنع تنفيذ مثل هذا المخطط المحتمل من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل، وكذلك لدفع الحكومة الإماراتية إلى العدول تماماً عن دعم مثل هذا القرار بسبب عواقبه الخطيرة.
3- السبب الثالث يرتبط بكون الإمارات، منذ السنوات التي تلت الثورة الإيرانية، استطاعت من خلال إنشاء بنية تحتية مناسبة للاستثمار وتوفير بيئة تنافسية للأعمال والتجارة جذب رؤوس أموال كبيرة وتحقيق تنمية اقتصادية ملحوظة. ومن أبرز الأمثلة على ذلك تحوّل مطار دبي إلى مركز عالمي للنقل الجوّي.
وتُعد شركة طيران الإمارات نموذجاً ناجحاً لشركات الطيران في المنطقة والعالم، إذ يعتمد كثير من الإيرانيين على خدماتها للسفر إلى أوروبا والولايات المتحدة وحتى شرق آسيا.
وكان المسؤولون الإيرانيون يعبّرون دائماً، في مواقف رسمية وغير رسمية، عن استيائهم من انتقال مليارات الدولارات من رؤوس الأموال الإيرانية إلى الإمارات خلال العقود الماضية. ولم ينجحوا قط في إقناع أكثر من 300 ألف إيراني بعدم شراء العقارات أو الاستثمار في هذا البلد. وقد أدّى هذا الأمر إلى نشوء نظرة سلبية وشكوك لدى بعض المسؤولين الإيرانيين تجاه حكومة الإمارات وقادتها.
وبهذه الذهنية، يمكن تفسير الهجمات الشديدة على الإمارات – بذريعة وجود قواعد أميركية فيها – على أنها محاولة للرد على هذا الشعور السلبي وإظهار الإمارات كدولة ضعيفة أمنياً وعسكرياً.
في الختام، يمكن القول إن حجم الهجمات الإيرانية على الإمارات، وما خلفته من تأثيرات سلبية على الرأي العام في المنطقة، كان كبيراً إلى درجة أن المسؤولين الإيرانيين – ولا سيما الرئيس مسعود بزشكيان، ورئيس مجلس الشورى محمد باقر قاليباف، ومسؤولي وزارة الخارجية – أكدوا في تصريحاتهم الأخيرة أن هذه الهجمات كانت موجهة حصراً ضد القواعد الأميركية، وأن إيران تحترم سيادة وأمن الدول العربية، وخاصة الإمارات، وأن العلاقات بين البلدين ستعود إلى طبيعتها بعد انتهاء الحرب.
غير أن حجم الهجمات الأخيرة والخسائر التي لحقت بالإمارات تجعل من غير المرجّح أن تعود العلاقات بين البلدين بسهولة وسرعة إلى ما كانت عليه في السابق.
أخبار سوريا الوطن١-وكالات-النهار
syriahomenews أخبار سورية الوطن
