هبه علي
رغم الهطولات المطرية الوفيرة التي شهدها العام الحالي، والتي أعادت الأمل بتحسن الواقع المائي بعد موسم جفاف قاسٍ، إلا أن مؤشرات التلوث في عدد من الأنهار السورية تعيد طرح تساؤلات جدية حول إدارة الموارد المائية والحفاظ عليها، فقد ظهرت رغوة على سطح نهر العاصي، فيما يستمر رمي النفايات في نهر بردى وغيره من المجاري المائية، في مشهد يعكس مفارقة واضحة بين وفرة المياه وتراجع نوعيتها.
الخبير البيئي موفق شيخ علي أوضح لصحيفة «الثورة السورية» أن المفارقة تكمن في تحسن الموارد الطبيعية من حيث الكمية، نتيجة الأمطار والفيضانات الموسمية، مقابل تراجع نوعيتها بسبب التلوث، ما يعني خسارة مزدوجة بيئياً واقتصادياً، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى استثمار كل مورد مائي متاح.
وحول ظاهرة الرغوة التي ظهرت في نهر العاصي، أكد أن من الصعب التكهن بطبيعة المادة الظاهرة، إذ إن تحديد ماهيتها ومدى خطورتها على السلامة العامة يتطلب تحليلاً مخبرياً. وأشار إلى أن النهر يستقبل عدداً كبيراً من نهايات الصرف الصحي والصناعي، إضافة إلى مخلفات المسالخ والمزارع ومصانع المواد الغذائية والمنظفات والزيوت وغيرها، فضلاً عما يصله من مخرجات مدينة حسياء الصناعية.
وبناءً على ذلك، يوضح شيخ علي أنه من الصعب تحديد السبب اعتماداً على الصور أو الفيديوهات المتداولة، إلا أن الاحتمال العام قد يكون مرتبطاً بوجود ملوثات زيتية مختلطة مع نفايات عضوية تفاعلت مع بعضها البعض.
دروس من الجفاف
ويرى شيخ علي أن ما حدث من جفاف في الموسم الماضي، ورغم طابعه الكارثي، كان يمكن أن يشكل فرصة لدراسة وتحديد الحمل التلوثي للمجاري النهرية ومجاري السيول التي عانت من الجفاف الشديد، وتقييم وضعها البيئي. كما كان من الممكن وضع تصور للحمل التلوثي الذي ستجرفه هذه المجاري مع عودة المياه، واتخاذ الإجراءات اللازمة قبل بدء الموسم المطري الحالي.
وأشار إلى أن نمط الهطولات المطرية الذي بات سائداً نتيجة ظاهرة التغير المناخي يتمثل في أمطار عاصفية عالية الغزارة وقصيرة المدة، ما يؤدي إلى تشكل سيول قوية على سطح التربة وفي الوديان. وينتج عن ذلك انجراف التربة وترحيل الحمل التلوثي لمسافات بعيدة وواسعة.
وأضاف أن هذه الظاهرة تؤدي أيضاً إلى خسارة جزء من المخزون البذري للترب، الأمر الذي يجعل بعض الأراضي عرضة لظواهر الانجراف الريحي بعد انتهاء الموسم المطري ودخول فترة الجفاف الصيفي.
قوانين بيئية قائمة وتطبيق غائب
وبيّن أن القوانين الناظمة للموارد المائية والبيئة، وفي مقدمتها التشريع المائي رقم 31 لعام 2005 وقانون البيئة رقم 12 لعام 2012، حددت المسؤوليات والإجراءات، بما في ذلك العقوبات. إلا أن تطبيق هذه القوانين على أرض الواقع غاب لسنوات طويلة ولا يزال، ما يجعل انعدام الرقابة والإجراءات اللازمة سبباً مباشراً في وقوع مخالفات كبيرة وربما كارثية.
وأكد أن جميع مجاري الأنهار في سورية تعاني من حمل تلوثي مرتفع ناتج عن الصرف الصحي والصناعي، إضافة إلى النفايات الصلبة والمكبات العشوائية المقامة على المجاري والمسيلات المائية.
وأشار إلى أن الانتقال السطحي للملوثات عبر هذه المجاري يؤدي إلى وصولها إلى السدود والبحيرات، ما يجعل هذه المسطحات المائية نقاطاً ساخنة بيئياً من حيث ارتفاع تراكيز الملوثات، مع تسرب تدريجي وبطيء نحو المصادر المائية الجوفية.
وشدد على ضرورة وضع خطة وطنية لحماية المصادر المائية من التلوث، تتضمن رفع مصادر التلوث عن المجاري المائية والأنهار، وإنشاء محطات معالجة كفوءة تراعي الغاية من إنشاء السدود والاستثمارات المائية القائمة على البحيرات.
تدفق بيئي ضرورة
وفيما يتعلق بتأثير التلوث في الثروة السمكية والاستخدامات الزراعية، أشار شيخ علي إلى ما يعرف بالتدفق البيئي للنهر، وهو كمية ونوعية المياه الواجب الحفاظ عليها في سرير النهر لضمان حماية واستدامة نظامه البيئي.
ولفت إلى أن هذا المفهوم طُبق سابقاً على نهر العاصي، حيث جرى تحديد نوعية وكمية المياه اللازمة شهرياً للحفاظ على النظام البيئي النباتي والحيواني.
وختم بالتأكيد أن مراعاة المعايير العلمية والبيئية تحقق الاستقرار البيئي، حتى وإن جاء ذلك على حساب بعض النشاطات الأخرى، مشدداً على أن الوفرة المائية وحدها لا تكفي ما لم تُصن بجودة توازيها.
اخبار سورية الوطن 2_الثورة
syriahomenews أخبار سورية الوطن
