آخر الأخبار
الرئيسية » مجتمع » ضغط رقمي قاتل.. كيف تتحوّل الألعاب الإلكترونية إلى فخ قاتل بين المراهقين؟

ضغط رقمي قاتل.. كيف تتحوّل الألعاب الإلكترونية إلى فخ قاتل بين المراهقين؟

 

 

 

مها دياب:

 

كثير من حالات الانتحار بين المراهقين تمر بصمت، إذ يخشى الأهالي الإفصاح عنها خوفاً من الوصمة الاجتماعية، بينما تظل الأسباب الحقيقية وراءها مخفية أحياناً، لا سيما عندما تكون مرتبطة بالألعاب الإلكترونية أو الاستدراج الرقمي على الإنترنت، ومع ظهور ألعاب وأدوات رقمية تضغط على المراهقين نفسياً، شهدت السنوات الماضية حوادث متعددة لم تُكشف إلا عبر شهادات عائلية أو تحقيقات إعلامية، على الرغم من وقوعها في أعوام سابقة.

 

إحدى هذه الوقائع، التي قررت شقيقة الضحية الحديث عنها اليوم لـ “الثورة السورية”، على الرغم من وقوعها في العام 2017 وظلت طي الكتمان، مدفوعة بملاحظتها انتشار ألعاب إلكترونية خطيرة بيد الأطفال والمراهقين، لتسلط الضوء على المخاطر التي يواجهها الشباب اليوم: شقيقتها المراهقة لم تتجاوز السابعة عشرة من عمرها، تعرضت لضغوط اللعبة الإلكترونية “مريم” سيطرت بصورة كاملة على هاتفها، ما دفعها إلى اتخاذ قرارات قاتلة بحق نفسها، الأمر الذي كشف هشاشة الواقع الرقمي وتأثيره المباشر على حياتهم.

 

ولعبة “مريم” التي ظهرت في العالم العربي عام 2017 تقوم على محادثة افتراضية مع فتاة صغيرة تدعى مريم، تبدأ بأسئلة بسيطة عن الاسم والعائلة، ثم تتطور تدريجياً إلى أسئلة شخصية وحساسة، وصولاً إلى طلبات غير آمنة مثل مشاركة معلومات خاصة أو تنفيذ مهام خطيرة.

 

هذه الحالات تعكس واقعاً مقلقاً، حيث يبقى المراهقون تحت تهديد ضغوط نفسية وخطر الاستدراج الرقمي، فيما المجتمع يظل صامتاً عن الحديث عنها، تاركاً هذه الظاهرة تتفاقم في الخفاء، حتى تتكرر المأساة، لتكون إنذاراً حقيقياً أمام الأهالي.

 

الأرقام الرسمية تعكس خطورة الظاهرة، حين أعلن رئيس دائرة الصحة النفسية في وزارة الصحة السورية منتصف عام 2024 أن عدد حالات الانتحار المسجلة بلغ 675 حالة في 2023، فيما وصل العدد في النصف الأول من 2024 إلى 620 حالة، بزيادة 8% عن الفترة نفسها من العام السابق، مع تركيز ملحوظ في الفئة العمرية بين الثانية عشرة والثامنة عشرة.

 

وأكد أن الأعداد الفعلية قد تكون أكبر، إذ كثير من العائلات لا تصرح بحوادث الانتحار خشية الوصمة الاجتماعية، وبينما لم تربط التصريحات الرسمية هذه الحالات بشكل مباشر بالاستدراج الإلكتروني أو الألعاب الخطرة، أشارت تقارير إعلامية وشهادات أسرية إلى ارتباط بعض هذه الحوادث بعوالم رقمية مثل ألعاب “الحوت الأزرق” و”مريم”، ما يسلط الضوء على هشاشة المراهقين أمام المخاطر النفسية والاجتماعية الرقمية.

 

البنية التقنية للألعاب كأداة استدراج

يشرح الخبير الرقمي والمدرب في أمن المعلومات المهندس حسن محمد الحسين لـ “الثورة السورية” كيف أن خطورة الألعاب الإلكترونية تبدأ بمضمونها النفسي والتفاعلي، ومن ثم تمتد إلى بنيتها التقنية التي تُصمم بطريقة تجعلها بيئة خصبة للاستغلال، فكثير منها وخاصة تلك التي تحمل عبر روابط غير رسمية أو متاجر غير معتمدة، تحمل برمجيات خبيثة أشبه بـ”حصان طروادة”، تطلب صلاحيات واسعة على الهاتف أو الحاسوب مثل الوصول إلى الكاميرا والميكروفون والملفات الشخصية، الأمر الذي يمنح المهاجمين قدرة على التجسس وسرقة البيانات، بل وأحياناً التحكم بالجهاز عن بعد.

 

كما أن الإعلانات المدمجة داخل الألعاب، والتي تظهر بشكل متكرر أثناء اللعب، هي ليست وسيلة تسويق كما نعتقد، فالكثير منها يكون مدخلاً لروابط خبيثة أو محتوى غير آمن، والطفل أو المراهق بدافع الفضول يضغط على هذه الروابط، فيجد نفسه أمام تطبيق جديد يطلب صلاحيات غير مبررة، فيمنحه إياها دون وعي، وهنا تبدأ عملية الاختراق. حسب الحسين.

 

ويضيف الحسين أن غرف الدردشة داخل الألعاب هي أخطر مساحة لأنها تسمح بتواصل مباشر بين اللاعبين، وغالباً ما تكون غير مراقبة أو محمية بشكل كافٍ، وفيها يستخدم المستدرجون لغة مشفرة ورموزاً يصعب على الأهل فهمها، ويبدؤون بحديث بريء ثم يتحول تدريجياً إلى تحديات خطيرة أو ابتزاز مباشر.

 

هذه البيئة تجعل الطفل أو المراهق هدفاً سهلاً، لأنه يظن أنه يتحدث مع أصدقاء أو شركاء في اللعب، بينما في الحقيقة يتعرض لاستدراج نفسي وتقني في آن واحد. ويشدد الحسين على أن الحل يبدأ من الوعي الرقمي داخل الأسرة، مؤكداً أن الرقابة لا يجب أن تكون بالمنع المطلق إنما عبر المشاركة والفهم.

 

ويوصي الحسين باستخدام أدوات حماية رقمية تساعد الأهل في متابعة استخدام الهاتف عند الأطفال، مثل تطبيق Google Family Link الذي يتيح للوالدين إدارة نشاط الطفل الرقمي بسهولة من خلال ربطه بحساب جوجل الخاص به، ويمنحهم القدرة على تحديد وقت استخدام الشاشة اليومي وضبط التطبيقات المسموح بها، كما يشير إلى تطبيق iWawa الذي يعد من أهم أدوات الحماية الرقمية للأطفال، إذ يتيح للأهل إنشاء بيئة آمنة داخل الهاتف تحدد ما يمكن للطفل مشاهدته أو تشغيله، ويساعد في ضبط الوقت ومنع الوصول إلى التطبيقات غير المناسبة، ما يقلل من مخاطر المحتوى العنيف أو غير الآمن.

 

هذه الأدوات حسب الحسين يجب أن تترافق بالمتابعة الأبوية المباشرة، فالأمان الرقمي يبدأ من البيت، من خلال حضور الأهل ومشاركتهم الفعلية في حياة أبنائهم الرقمية، ومراجعة التطبيقات والدردشات، وتوجيههم نحو الاستخدام الصحي والآمن للتقنيات الحديثة.

 

هشاشة المراهقين

توضح الخبيرة النفسية لبنى الحاج لـ “الثورة السورية” أن المراهقين والأطفال يعيشون مرحلة حساسة من حياتهم، حيث يكون البحث عن الهوية والانتماء حاجة أساسية، وغالباً ما يجدون في العالم الافتراضي مساحة تبدو أدفأ وأكثر تقبلاً للتعبير عن الذات، وهذه المساحة الرقمية التي تبدو في ظاهرها بريئة، تتحول في غياب التوجيه الأسري وضعف التواصل العاطفي إلى بيئة مفتوحة لكل الخطابات، بما فيها الخطابات المؤذية والانتحارية.

 

والاستدراج النفسي عبر الألعاب الإلكترونية بحسب الحاج يبدأ عادة بحديث بريء ومجاملات بسيطة، ثم يتطور تدريجياً إلى تحديات لإثبات الشجاعة والقدرة على مواجهة الخوف، قبل أن ينتهي برسائل خطيرة تدعو للخلاص من الحزن عبر إيذاء النفس أو الانتحار، وتبين أن هذه المراحل تتعدى فكرة العشوائية، لأنها مدروسة من قبل المستدرجين الذين يعرفون كيف يستغلون ضعف المراهقين وحاجتهم إلى الاعتراف والاهتمام.

 

وتشدد الحاج على أن الوقاية تكون عبر بناء علاقة صادقة مع الأبناء تقوم على الإصغاء والمشاركة، فالمراهق يحتاج إلى من يسمعه دون تهديد بالعقوبة، ويحتاج إلى أن يشعر أن أسرته حاضرة في حياته الرقمية كما هي في حياته الواقعية، وتنظيم وقت الشاشات والمشاركة معهم في اللعب لفهم طبيعة المجتمع داخل اللعبة، كفرصة لرؤية ما يعيشه أبناؤهم في تلك العوالم الافتراضية، وبالتالي يصبح لديهم حضور عاطفي ومعرفي يعيد الدفء إلى الواقع، ويمنحهم حصانة داخلية تجعلهم قادرين على مواجهة العالم الافتراضي دون أن يقعوا في فخه القاتل.

 

وهناك إشارات مبكرة للخطر يجب أن يلتقطها الأهل بسرعة، توضحها الحاج، مثل الانعزال المفاجئ، فقدان الشغف، اضطراب النوم، الحزن المستمر، أو الحديث المتكرر عن الموت وفقدان القيمة.

 

هذه العلامات تستدعي طلب دعم نفسي مختص فوراً، لأن الانتظار قد يكلفهم حياتهم، وتربط في حديثها بين الجانب النفسي الفردي والظروف الاجتماعية الأوسع، مؤكدة أن الأزمات الاقتصادية والنزوح تضاعف هشاشة المراهقين وتجعلهم أكثر عرضة للاستدراج الرقمي.

 

وتشير الحاج إلى أن الألعاب الإلكترونية أصبحت بالنسبة لكثير منهم مساحات بديلة للانتماء، حيث يجدون جماعة تشاركهم التحديات وتمنحهم شعوراً بالاهتمام والهوية، المفقود في حياتهم اليومية مع الاهل، وتؤكد أن الحل بالإضافة للرقابة التقنية والتوعية النفسية، هو إعادة بناء شبكات الدعم الاجتماعي من خلال شراكة حقيقية بين الأهل والمدرسة والمجتمع المدني والإعلام، بحيث يشعر المراهق أن هناك منظومة كاملة تخاف عليه وتحميه وتدعمه.

 

المجتمع السوري ليس الوحيد

في العراق، أعلنت وزارة الداخلية عام 2025 عن القبض على مراهق استدرج نحو ثلاثين طفلاً عبر لعبة روبلوكس، محرضاً إياهم على كتابة أسمائهم بالدم والانخراط في تحديات تنتهي بالانتحار، وكان يتقن اللغة الإنجليزية، ما سهل عليه التواصل مع ضحايا من دول مختلفة، يبدأ بحديث بريء، ثم تحديات للشجاعة، قبل أن يقودهم إلى طقوس مرعبة.

 

وأكدت السلطات العراقية حينها أن المتهم كان يستخدم أساليب نفسية متطورة لإقناع ضحاياه بأن الانتحار هو الخلاص من الحزن أو إثبات القوة، ولحسن الحظ، تم إنقاذ ثلاثين شاباً وفتاة في اللحظة الأخيرة، إلا أن الحادثة أثارت مطالبات واسعة بحظرها، وكشفت حقيقة المنصات التفاعلية التي تحولت إلى غرف ضغط نفسي وابتزاز رقمي.

 

وللتوضيح لعبة مريم لم تعد منتشرة كما كانت عند ظهورها عام 2017، غير أنها لا تزال تذكر كأحد الأمثلة على الألعاب التي تستغل الفضول النفسي وتفتح الباب للاستدراج، بينما لعبة الحوت الأزرق التي ظهرت عام 2016 في روسيا، فما زالت تظهر بين المراهقين حتى اليوم، حيث سجلت حالات انتحار جديدة مرتبطة بها في دول عربية مثل مصر والكويت، وهو ما يؤكد أن الخطر دائماً ما يتجدد بأشكال مختلفة عبر منصات التواصل والألعاب التفاعلية ومع التحديات الخطيرة التي تظهر وتختفي على منصات التواصل والألعاب، أصبح الانتحار المرتبط بالعالم الافتراضي ظاهرة عالمية، في الولايات المتحدة، رفعت والدة مراهق دعوى قضائية ضد منصة روبلوكس بعد انتحار ابنها البالغ خمسة عشر عاماً، متهمة المنصة بعدم حماية القاصرين من الاستغلال عبر المحادثات، كما أن تقارير دولية تشير إلى أن أكثر من مئة وخمسين مليون طفل حول العالم يلعبون روبلوكس، ما يجعلها بيئة مفتوحة للاستغلال إذا غابت الرقابة.

 

أخبار سوريا الوطن١-الثورة

 

x

‎قد يُعجبك أيضاً

عاد من القبر ليفضحه.. اعترافات صادمة لطفل سوري دفنه خاله حيّاً

كشفت التحقيقات تفاصيل صادمة في قضية الطفل السوري أمير الجدّوغ، بعدما تبيّن تورّط خاله في جريمة دفنه حيّاً ثم مشاركته لاحقاً في أعمال البحث عنه، ...