بينما تتقاطر الوفود الدبلوماسية وخاصة الغربية الى العاصمة السورية دمشق لاستكشاف توجهات الحكم الجديد في سورية، وماهي توجهات زعيم هيئة تحرير الشام احمد الشرع “الجولاني” بعد ان سيطر على الحكم في البلاد وسقوط النظام السابق، يسعى الشرع الى طمأنة الوفود الغربية بوضع خطوط عامة للمرحلة المقبلة يحاول من خلالها اخراج اسمه وهيئة تحرير الشام من قوائم الإرهاب أولا، ثم رفع العقوبات الامريكية والغربية عن الشعب السوري على اعتبار ان العقوبات فرضت على نظام لم يعد موجودا، لكن الدول الغربية بدورها بدأت تضع محددات وشروط لهذه العلاقة مع الحكم الجديد، بعضها يرتبط بمصالح هذه الدول وبعضها الاخر بشكل وهوية النظام السياسي المقبل.
اول العقبات التي بدأت تتشكل ملامحها هي كيفية إدارة المرحلة الانتقالية. عندما زار المبعوث الاممي الى سورية غير بيدرسون دمشق وعقد اجتماع مع احمد الشرع اول ما سمعه من الأخير ان القرار الدولي ” 2254″ الذي كانت تنادي الدول بتطبيقه للمرحلة الانتقالية وبناء النظام السياسي لم يعد قائما واصبح من الماضي.
ورغم ان بيدرسون اقر الثلاثاء الماضي في احاطته لمجلس الامن بأنه لم تعد هنالك إمكانية حقيقية لتطبيق للقرار “2254” بعد سقوط نظام الرئيس بشار الأسد بناء على رفض الشرع التعامل مع القرار بسبب عدم وجود الطرف الثاني، الا ان المبعوث الاممي شدد امام مجلس الامن ان الأمر ما زال يتطلب انتقالا سياسيا بعملية سورية داخلية شاملة، و أن المرحلة المقبلة ستكون حاسمة.
وهنا بدأت تظهر بوادر الخلاف داخل مكونات المعارضة في الداخل والخارج وبين هيئة تحرير الشام، فحسب متابعة “راي اليوم” فان أصوات من داخل الهيئة بدأت بمهاجمة الائتلاف السوري المعارض في الخارج والائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية هو تحالف سياسي سوري معارض تأسس عام 2012، وضمّ مكونات سياسية وعسكرية من المعارضة السورية بهدف توحيد الجهود لإسقاط نظام بشار الأسد والحفاظ على وحدة سورية وشعبها وتأسيس دولة مدنية ديمقراطية تعددية. والمؤشرات التي تم رصدها ترتكز على خطاب ان الائتلاف فشل في اسقاط النظام، وذهب للجلوس معه والتفاوض حول المشاركة السياسية وليس اسقاط النظام، كما تتحدث شخصيات مقربة من الهيئة عن فساد ومحسوبيات وعلاقات تربط مكونات الهيئة مع الدول الخارجية وهو ما سوف يؤثر في استحقاق الدولة الجديدة. بالمقابل فان الائتلاف بدأ يظهر خشية من نوايا الهيئة التي تسيطر على البلاد في هذه اللحظة، وهواجس الهيئة تكمن في توزيع الهيئة المناصب ومفاصل الدولة على أعضائها في المرحلة الانتقالية دون اشراك أي من أطراف المعارضة او حتى الكفاءات المستقلة داخل البلاد.
وقال عبد الرحمن مصطفى، رئيس حكومة الإئتلاف السورية المعارضة،”” إن “ما قامت به “هيئة تحرير الشام”، بعد تغيير السلطة في سوريا، هو “أمر مفرح، لكنه يثير بعض المخاوف أيضا”، مضيفا: “يجب ألا ننتقل من ديكتاتورية إلى ديكتاتورية أخرى”.
وفي حديثه إلى موقع “BBC TÜRKÇE”، شدد مصطفى على أنه “يجب ألا ننتقل من ديكتاتورية إلى ديكتاتورية أخرى”، مؤكدا أن “الجيش الوطني السوري له دور نشط في العمليات العسكرية التي أدت لسقوط النظام، وكانت له مساهمة كبيرة في السيطرة على دمشق، ولا ينبغي نسب العملية إلى مجموعة واحدة”.
وشدد على أن “الجميع شارك، لكن ظهرت مجموعة واحدة في الصورة. نحن لم ندخل في جدال نحن فعلنا وأنتم فعلتم.. فالمهم كان هو إسقاط النظام، وقد تحقق ذلك، والآن علينا التركيز على المرحلة المقبلة”، مشيرا إلى “أننا سننتظر ونرى”.
من خلال هذا السجال يمكن الاستنتاج ان الشرع يسعى ليكون هو وجماعته في قيادة عملية التغيير المقبلة، مع افساح حصة لمكونات المعارضة الأخرى، بينما ترفض المعارضة ذلك، وتدفع نحو اشراف كامل للأمم المتحدة على العملية الانتقالية تكون فيها كافة الأطراف متساوية ضمن المرحلة الانتقالية ولديها ذات الفرص في المشاركة للتحضير للانتخابات والدستور الجديد وكل تفاصيل بناء هياكل الدولة الجديدة. ولا يبدو ان الشرع سيكون قادرا لفترة طويلة على فرض تصوراته، خاصة ان الدول العربية التي ستكون معنية بملفات منها إعادة الاعمار او الاستثمار او دمج السلطة الجديدة في الاسرة العربية، ستكون الى جانب أشراف الأمم المتحدة وضد استئثار الشرع بالحكم ولو في فترته الانتقالية. ومن جانب اخر تحتاج تركيا إرضاء الدول العربية خاصة مصر والسعودية والامارات لتنخرط في تشجيع التغيير في سورية من ناحية، وحفاظ تركية على مصالحها مع الدول العربية من ناحية ثانية وعدم حصر الوضع الجديد في سورية بالجناح ” التركي القطري ” على حساب محاور أخرى في الإقليم. لذلك هناك مصلحة تركية بالتأثير على الشرع، لكن من غير المستبعد ان تقايض تركية الولايات المتحدة والدول الغربية في مسألة مستقبل الكيان الكردي شرق الفرات.
وإزاء ذلك يسعى الشرع لاستباق أي تطور او مرحلة، بحملة علاقات عامة واسعة النطاق في البلاد، تظهره بمظهر القائد المنفتح والمخلص والودود، والأمين على تطلعات الشعب، لتكريس شخصيته في المجتمع السوري، وضمان تفوق صورته على كل منافسيه المحتملين في العملية السياسية او الانتخابات المستقبلة، خاصة ان غالبية السوريين ليست لديهم معرفة قريبة بشخصيات المعارضة في الخارج.
تبقى سورية في حالة عدم يقين، والمرحلة خطرة ودقيقة، ماتزال كل السيناريوهات مفتوحة، بما في الفوضى الشبح الذي يخاف منه اغلبية السوريين اليوم. خاصة مع ارتفاع وتيرة الانتهاكات والتعديات التي تمس طوائف واديان، وهو ما يشيع أجواء من الخوف على مستقبل البلاد.
اخبار سورية الوطن 2_راي اليوم