آخر الأخبار
الرئيسية » يومياً ... 100% » لعبة الحواف الخطرة

لعبة الحواف الخطرة

 

د. سلمان ريا

 

في لحظة تتكثف فيها التحولات الجيوسياسية، لم يعد ما يجري في الشرق الأوسط مجرد صراع إقليمي تقليدي، بل بات اشتباكًا متعدد المستويات يُدار بإيقاع محسوب، تتقاطع فيه حسابات القوى الكبرى مع ديناميكيات الفاعلين المحليين. فالتصعيد العسكري لم يعد محصورًا في مواجهة مباشرة، بل يتوسع تدريجيًا عبر مسارح متعددة، مع تداخل واضح بين الجبهات وتحولها إلى شبكة صراع مترابطة يصعب فصل مساراتها.

 

المسألة لم تعد في كثافة الضربات بقدر ما هي في اتساع رقعة الانخراط، حيث لم تعد المواجهة ثنائية، بل تغذيها قوى ووكلاء يعملون ضمن فضاء استراتيجي واحد، ما أدى إلى تآكل الحدود بين الساحات التقليدية. ومع انتقال الاستهداف إلى بنى تحتية وممرات حيوية، ارتفع القلق الدولي، خصوصًا مع تأثير ذلك على أسواق الطاقة وخطوط الإمداد، في مؤشر واضح على تحول الصراع إلى أداة ضغط اقتصادي وجيوسياسي.

 

ورغم هذا التصعيد، لا تزال المواجهة محكومة بسقف غير معلن، إذ تحاول القوى الكبرى تحقيق مكاسب دون الانزلاق إلى حرب شاملة. غير أن هذا “الضبط” يخفي تصعيدًا مستمرًا تحت عتبة الانفجار، حيث يختبر كل طرف حدود الآخر، ما يجعل أي خطأ في التقدير قادرًا على تفجير المشهد، كما حدث في الحرب العالمية الأولى التي اندلعت عبر تراكمات تدريجية لا قرارًا مفاجئًا.

 

تداعيات الصراع لم تبقَ إقليمية، بل امتدت إلى توازنات دولية أوسع، مع قلق متزايد من انشغال الولايات المتحدة في الشرق الأوسط على حساب ساحات أخرى، ما قد يفتح المجال أمام إعادة توزيع النفوذ العالمي. هذا الترابط يؤكد أن ما يجري يتجاوز كونه أزمة عابرة، ليصبح جزءًا من عملية إعادة تشكيل النظام الدولي.

 

في قلب هذا المشهد، تقف سوريا في موقع بالغ الحساسية. فهي ليست طرفًا رئيسيًا، لكنها تقع على تماس مباشر مع معظم خطوط الصراع. الخطر لا يكمن في قرار الانخراط، بل في قابلية الانجرار، بحكم موقعها وتشابك المصالح على أرضها، ما يرفع احتمالات انتقالها من ساحة ضغط منخفض إلى جبهة أكثر انكشافًا.

 

التجارب التاريخية تشير إلى أن الحروب الكبرى لا تبدأ بقرار واحد، بل عبر سلسلة من الأحداث المتراكمة. هذا النمط يتكرر اليوم من خلال ضربات محدودة وردود متدرجة وعمليات غير مباشرة تمهّد لتصعيد أوسع دون أن يبدو حتميًا في بداياته.

 

في مثل هذه البيئة، يصبح العامل الحاسم داخليًا بقدر ما هو خارجي، إذ تتقدم قدرة الدولة على ضبط إيقاعها وتماسكها الداخلي على أي اعتبار آخر. فالنجاة في الحروب المركبة لا تكون بمن ينتصر، بل بمن يتجنب الانخراط في المعركة الخطأ.

 

(موقع: أخبار سوريا الوطن)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

أسعار النفط والزمن اللازم للتعافي

  م.سليمان العباس في ظل التصريحات باحتمال استمرار الحرب على إيران لأسابيع، ونقص 15-20% من إمدادات السوق نتيجة الاضطرابات في مضيق هرمز، بدأت الدول المستهلكة ...