لينا اسماعيل
خلف الغبار المتصاعد على طريق البقاع الشمالي، تختبئ قصة معبر حدودي وُلد “عملاقاً” على الأوراق الرسمية، وبقي “قزماً” في ميدان التجهيزات. معبر القاع (جوسيه)، الذي انتزع تصنيف “الفئة الأولى” بقرار حكومي في عام 2022، يجد نفسه اليوم في عام 2026 أمام اختبار الوجود؛ ليس بسبب تراجع الحركة، بل لعدم قدرته على استيعاب تداعيات القرار السوري الأخير الرقم (31) الصادر في شباطفبراير الجاري.
التصنيف الذي لم يغادر الأدراج
لطالما نُظر إلى رفع تصنيف معبر القاع كإنجاز سياسي يكسر طوق التهميش عن البقاع الشمالي، محولاً إياه رئة تجارية تربط لبنان بحمص ومنها بالعمق العربي. ولكن، ما نفع “الرتبة” إذا غابت “العدة”؟ حتى يومنا هذا، لا يزال المعبر يفتقر لأبسط مقومات “الفئة الأولى”، فلا ساحات جمركية فسيحة تليق بقوافل الترانزيت، ولا أنظمة “سكانر” حديثة تقطع دابر التفتيش اليدوي البدائي، ولا طرق دولية قادرة على تحمّل أوزان الشاحنات العملاقة من دون أن تنهار.
القرار (31): الاصطدام بالحقيقة المُرّة
جاء القرار السوري الرقم (31) ليكون بمثابة “كشف حساب” لوجستي للدولة اللبنانية. فالمادة الثانية من القرار، التي تفرض “مناقلة البضائع” بين الشاحنات غير السورية والسورية ضمن ساحات الجمارك، وضعت معبر القاع في مأزق تقني.
ساحات الاختناق
فكيف لمعبر يضيق بسياراته السياحية أن يستوعب عمليات “التفريغ والتحميل” التي يفرضها القرار الجديد؟
نزيف الوقت والمال
إن غياب البنية التحتية للمناقلة في القاع يعني ببساطة تكدس الشاحنات، وتلف المحاصيل الزراعية، وارتفاعاً جنونياً في أكلاف الشحن، مما يُفقد الصادرات اللبنانية ميزتها التنافسية.
الاستثناء الذي لا ينقذ
ورغم أن المادة الثالثة استثنت شاحنات “الترانزيت” بصفة الترفيق الجمركي، إلا أن هذا الاستثناء يظل رهينة السرعة اللوجستية. ففي غياب الربط الإلكتروني المتطور والتجهيزات التقنية، سيتحول هذا الاستثناء إلى طوابير انتظار لا تنتهي، مما يجعل التجار يفضلون المسارات التقليدية الأكثر تجهيزاً، ولو كانت أكثر ازدحاماً.
أبعد من حدود لبنان: زلزال إقليمي شامل
ومع ذلك، وفق مصدر مطلع لـ”النهار ” تقتضي القراءة الموضوعية للمشهد عدم حصر الأزمة بزاوية “استهداف لبنان” فقط، فالقرار السوري لم يكن مفصلاً على مقاس بيروت، بل هو إعصار تنظيمي ضرب سائر حدود الجوار السوري.
وأضاف: “من معبر “جابر-نصيب” مع الأردن، إلى “البوكمال” مع العراق، وصولاً إلى البروتوكولات القائمة أصلاً مع تركيا، يجد الجميع أنفسهم في مركب واحد.
اليوم، “أنين” الشاحنات الأردنية والعراقية يتردد صداه تماماً كما في لبنان، مما يؤكد أننا أمام سياسة سورية عامة وفرض لواقع جديد لا يبدو أن العودة عنه متاحة في الأفق القريب”.
ورأى أن هذا الضغط، الذي يطاول كل جيران سوريا يضع الدولة اللبنانية أمام حقيقة كبرى: لا يمكن حل هذا الملف بجهود منفردة ما دامت المعضلة إقليمية بامتياز، وأي تغيير في هذه القواعد لن ينضج في المدى المنظور، مما يجعل العجز اللوجستي في “القاع” أكثر كارثية مقارنة بجيراننا الذين قد يمتلكون بنى تحتية أفضل للتعامل مع واقع “المناقلة”.
بوابة بلا عتبة
إن الواقع المرير لمعبر القاع اليوم يثبت أن السيادة الاقتصادية لا تُبنى بالقرارات الموقعة في القصور، بل بالبنى التحتية المشيّدة على الحدود.
المعبر اليوم هو بوابة “فئة أولى” بلا عتبة لوجستية، يقف عاجزاً أمام قرارات تنظيمية إقليمية، بانتظار أن تلتفت الدولة لتجهيزه، قبل أن يتحول من ممر استراتيجي إلى مجرد “نقطة عبور” منسية في سجلات الجمارك.
أخبار سوريا الوطن١-وكالات-النهار
syriahomenews أخبار سورية الوطن
