آلان علم الدين
كانت الأسابيع الأخيرة، تماماً مثل السنوات الأخيرة، حافلةً بالأحداث المهمة، حيث اختطفت الإدارة الأميركية الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، وأعلنت عن نيتها السيطرة على غرينلاند، وهدّدت بمهاجمة إيران ثم تراجعت على ما يبدو. ما هي بعض النقاط الرئيسية التي يمكن أن تساعدنا على فهم سعي الولايات المتحدة لتأسيس نظام عالميّ جديد؟
أولاً، الأمر لا يتعلّق بترامب وحده. فنادراً ما يؤثّر شخص واحد على المشهد السياسي. كما هو الحال في أي دولة أو إدارة أخرى، يتشكّل المشهد السياسي من خلال توازن القوى الذي يفرضه رأس المال والمجموعات المنظّمة كالإعلام أو جماعات الضغط أو النقابات. لترامب هامش من التحرّك، ولا سيما من ناحية تبدية مصالح مجموعات معيّنة على حساب مصالح مجموعات أخرى، لكنه مُقيّد بالتوازن القائم. والتركيز على شخصه يمكن أن يحوّل الانتباه عن النظام الرأسمالي والاستعماري الذي مكّنه من الصعود إلى السلطة، وعن الأطراف الفاعلة الرئيسية التي تهتمّ بقرارات الإدارة الأميركية أو حتى تقف وراءها.
وهذا يقودنا إلى النقطة الثانية، وهي أن المسألة لا تتعلّق فقط بالموارد. لا شك أن عين الإدارة الأميركية على النفط والمعادن الثمينة في العالم، ولكنّ هناك سبباً وراء استهدافها الآن لفنزويلا وغرينلاند، وهما دولتان في القارة الأميركية. وهي تذكر ذلك صراحة في استراتيجية الأمن القومي التي تعتبر أن هيمنة الصين الاقتصادية المتنامية تشكّل تهديداً للولايات المتحدة وتركّز على الحاجة إلى بناء قدرة الولايات المتحدة الإنتاجية (ومن هنا تأتي التعرِفات الجمركية) واحتواء الصين.
وهذا يمثّل نقطة تحوّل عن سياسة السوق المفتوحة التي اتّبعتها الولايات المتحدة منذ سقوط الاتحاد السوفياتي. لذا تعتبر الوثيقة نصف الكرة الغربي مسرحاً رئيسياً على الولايات المتحدة أن «تستعيد هيمنتها فيه». ولا تترك الوثيقة مجالاً للشك في أن هذا يعني «إعادة تعديل الوجود الأميركي العسكري العالمي لمواجهة التهديدات الملحّة في نصف الكرة الغربي»، أي إنها تطرح تحوّلاً عن القوة الناعمة إلى القوة الصلبة. هذا هو السياق الذي تسعى فيه الولايات المتحدة إلى ترسيخ هيمنتها على القارة الأميركية قبل كل شيء.
وبالتالي، فإنّ تهديد الولايات المتحدة واستخدامها للعنف يزعزعان النظام العالمي. لا نشير هنا إلى التصور الأوروبي بأننا نعيش في نظام قائم على القانون والقيم. فالمؤسسات الدولية التي تتجاهلها الإدارة الأميركية هي في الواقع مؤسسات استعمارية: على سبيل المثال، الولايات المتحدة وروسيا والصين ليست أطرافاً في المحكمة الجنائية الدولية، ما يعني أن أي دولة تنضم إلى المحكمة الجنائية الدولية ستكون مسؤولة أمامها دون أن تكون محميّة منها من جرائم الحرب التي ترتكبها أيّ من هذه القوى العالمية الثلاث. فيما قرّرت القوى الاستعمارية التي أنشأت محكمة العدل الدولية أنها لا تستطيع تنفيذ قراراتها وأن الأمم المتحدة هي الوحيدة التي تستطيع ذلك، لكنّ قرارات الأمم المتحدة تخضع لموافقة القوى العالمية الخمس.
وعليه، يعمل النظام العالمي الذي نعيش فيه وفقاً للمبدأ الإمبريالي التالي: يمكن للقوى العالمية أن تفعل ما تشاء، طالما أن القوى العالمية الأخرى لا تمانع ذلك. أي إن الغاية من إنشائه ليست حماية المجتمعات الضعيفة من القوى العالمية، بل حماية القوى العالمية بعضها من بعض. المؤسسات المدعوّة «دولية» أدوات لضبط التفاوض بين القوى العظمى، والتأكّد من أن الفظائع التي ارتكبها بعضُها ضد بعض في ما يُسمى بالحربين العالميتين لا تحدث إلا للآخرين.
وبناءً على ذلك، عندما تشكو أوروبا من قيام ترامب بإعادة تشكيل النظام العالمي، فإنها لا تشير إلى نظام عالمي يسوده السلام والعدالة، بل إلى نظام يسمح لها بمشاركة الولايات المتحدة في الهيمنة. هذا هو النظام الذي تحاول إنقاذه بإرسال قواتها إلى غرينلاند. وهذا هو النظام الذي تعمل الإدارة الأميركية على التخلّص منه. هذا التناقض بين الولايات المتحدة وأوروبا هو أمر يجب أن ندرسه ونستفيد منه في نضالنا من أجل نظام عالمي عادل بالفعل.
وهذا يضع على عاتق الحركات السياسية والمواطنين في الجنوب العالمي مسؤولية فهم المشهد السياسي بشكل صحيح. وقد أظهرت التطورات الأخيرة على وجه الخصوص محدودية التحليلات المفرطة في التبسيط. على سبيل المثال، لم يتم اختطاف مادورو بسبب دعمه لفلسطين. في مقال نُشر أخيراً، يتحدّث الكاتب الفلسطيني حسام أبو حامد عن هذا التفسير باعتباره «تفسيراً كسولاً يتجاهل أن ما جرى يتصل بحزمة مُعلَنة من أهداف النفوذ والطاقة وإعادة ترتيب الإقليم الأميركي اللاتيني، ولا يتعلّق بملفّ واحد، وتحويل فلسطين إلى “السبب النهائي” يطمس ما هو أكثر أهميةً: أن واشنطن تقول (بلا مواربة) إنها تريد فنزويلا». ويشير إلى «الخطر على فلسطين نفسها، حين تصبح التفسير السحري لكل انقلاب أو غزو، فتتحوّل من قضية حقوق إلى “علامة” في سوق الصراعات».
كما ظهرت تحليلات مُبسّطة لما يحدث في إيران، بحيث إمّا دعمت بشكل مطلق التظاهرات باعتبارها حراكاً عادلاً في مواجهة نظام قمعي، أو اعتبرتها حراكاً مدعوماً من الخارج الصهيوأميركي. لكنّ الواقع أكثر تعقيداً من ذلك. فمن ناحية، أعلن الكيان صراحة تدخّله في الاحتجاجات، فكيف يمكننا أن ندّعي عكس ذلك؟ ومن ناحية أخرى، أعلنت حركات مناهضة للصهيونية مثل «توده» دعمها للتظاهرات ومشاركتها فيها، فكيف يمكننا أن نسرع في شيطنتها؟
الحقيقة هي أن المتظاهرين الإيرانيين متنوّعون: فمنهم من يؤيّد «عودة الشاه» والتطبيع مع الكيان، ومنهم اشتراكيون ثاروا مع الإسلاميين ضد الشاه قبل أن ينقضّ هؤلاء عليهم، ومنهم عملاء للموساد، ومنهم بورجوازيون فقدوا رؤوس أموالهم ويريدون استعادتها تحت أي نظام، ومنهم نساء مضطهدات من قبل الحكم الديني ويردن العلمانية، ومنهم أكراد أو عرب يرون فرصة للحكم الذاتي و/أو الاستقلال. التقسيمات الثنائية بين الأسود والأبيض هيّنة، لكنها قاصرة عن فهم الواقع مع ألوانه المتعدّدة، فتعيق قدرتنا على تغيير الواقع.
يجب أن نسعى، ليس فقط لفهم الأحداث، بل لإعادة صياغتها. غالبية التحليلات المتعلّقة بفنزويلا وغرينلاند وإيران تحليلات مُشاهِدة، وبالتالي عاجزة عن تجاوز ثنائيات «مع/ضد» النظرية. يجب أن نبني قدراتنا الفردية والتنظيمية على قراءة المشهد السياسي بدقّة، وتحليل التغيّرات في ميزان القوى، ثم بناء القوة للتأثير على هذه التغيّرات لصالح مشروع سياسي تحرّري وديمقراطي.
أخبار سوريا الوطن١-الأخبار
syriahomenews أخبار سورية الوطن
