غسان المفلح
منذ اليوم الأول للحرب بدأ انعكاسها على دول المنطقة. سوريا والأردن والعراق ودول الخليج وكردستان العراق نالها القصف الإيراني. من الواضح أن السلطة في إيران تسير نحو مزيد من المواجهة، وتضرب كل ما تصل إليه أسلحتها. حتى دول كانت صديقة ومقربة من طهران. كعُمان والإمارات مثلاً.
لكن أمام هذه اللوحة، التي يصر ترامب على الخروج منها منتصراً بشكل واضح، تكون سوريا -رغم ما يظهر- هي الحلقة الأضعف. ببساطة لأنها تعيش وضعاً انتقالياً صعباً. وضع نجد فيه بعض الأطراف السورية تريد للبلد أن يذهب للجحيم، وهي مستعدة لأن تكون أداة في يد أي طرف خارجي يكلفها بذلك. هذه الأطراف لا تزال تملك سلاحاً ومقاتلين وحشود مؤدلجة، كلها تنتظر فرصة الانقضاض على الخراب الذي خلفته الأسدية، من أجل المزيد منه.
في هذه اللحظة الماكرة من لحظات التاريخ السوري، يختلط الحابل بالنابل، والصالح بالطالح. من له موقف مناقض للسلطة، يصدر مقولاته وتحريضه وتجييشه على السلطة والبلد. بالمقابل من يؤيد السلطة يحاول أن يبرز قوتها وحضورها ببلاغة متهافتة. التعامل مع ما يجري من قبل الجميع تقريباً، يعتمد على انحيازات مسبقة.
السلطة تحاول قدر الإمكان الابتعاد عن التصريحات الإعلامية المفصلة بخصوص ما يجري في المنطقة. أرى أن هذا أمر جيد، لأن سوريا ليست طرفاً فاعلاً في اللوحة، بل دولة تحتاج لرعاية دولية، وستبقى إلى حين التعافي. مهما حاولنا أن نتحدث عن هذه الحرب إيجاباً أو سلباً، لا يمكن أن تبقى سوريا بمنأى عنها أو عن نتائجها المباشرة وغير المباشرة.
منذ اليوم الأول بدأت تبرز أزمة الطاقة والغاز، وهذا أمر ليس بإمكان سوريا مواجهته الآن. لا تمتلك المخزون كما لا تمتلك الموارد، ولا تزال آليات رفع العقوبات الدولية تسير بخطوات بطيئة. سنجد مزيداً من ارتفاع الأسعار مما يخلق حالة من الخوف عند الناس على تأمين احتياجاتهم الضرورية. من جهة أخرى، الخطر الأكثر بروزاً هو داعش من جهة، وإذا أرادت طهران أن تحرك بعضاً من فلولها من جهة أخرى، كما حركت حزب الله اللبناني الذي شارك بالحرب، والآن لبنان على كف عفريت.
هنالك مصفوفات بلاغية من المزايدة على سوريا في موقفها من الحرب. سوريا لا تستطيع إلا أن تكون في الطرف الأميركي. ليس فقط لاعتبارات تتعلق بجريمة الملالي في سوريا خلال سنوات الثورة، بل لاعتبارات تخص مستقبل البلد برمته. وأي كلام آخر يصدر عن السلطة بخلاف ذلك هو نوع من الانتحار المؤجل. أيضاً هنالك من يتشاطر بمقولات مثل”اللهم اضرب الظالمين بالظالمين واخرجنا منها سالمين”. هذه ومثلها مقولات أخرى لا تفيد.
في التاريخ السياسي للدول، هنالك خيارات لا تحتمل التلاعب والتشاطر. خيارات تضع مصير هذه الدول على كف عفريت، وهي دول مستقرة! فما بالكم بدولة تعيش ما تعيشه سوريا الآن. حتى اللحظة، خيار السلطة والناطقين البارزين باسمها، هو خيار مقبول سورياً. لا يوجد أية حمولة تحررية في هذه الحرب، سوى عنوان واحد: هو تحرر الشعب الإيراني وشعوب المنطقة من نظام الإرهاب والجريمة الإيراني. حتى هذه غير مضمونة حتى الآن، ولا يمكننا الاعتماد على تصريحات بعض الساسة الأميركيين، في أنهم يريدون إسقاط نظام الملالي.
إضافة لما سبق، هنالك خطر آخر في حال استمر حزب الله في جر إسرائيل لحرب موسعة برية وجوية على لبنان، وبالتأكيد لن تكون سوريا بمنأى عنها وعن نتائجها. أو في المقلب الآخر، إذا تحرك الحشد الشعبي في العراق كما تحرك حزب الله. بذلك تكون سوريا بين كارثتين إضافيتين. أكتب هذا لأن الواضح في الخيار الإيراني هو إشعال المنطقة برمتها، إذا أمكنه ذلك.
حتى لحظة كتابة هذه المادة كل الدلائل تشير إلى أن إيران ذاهبة نحو التصعيد، وهنالك دول تدعمها في ذلك، بشكل مباشر أو غير مباشر، تريد تعقيد المشهد على الخيار الأميركي. من جهة أخرى، من الواضح أن الرئيس ترامب لا يريد شركاء في الحرب، بل يريد مواقف داعمة فقط من دول العالم. لأنه يعتبر هذه الحرب حربه الخاصة، وليست حرباً أميركية فقط.
انطلاقا من هذه اللوحة السريعة، على السلطة في سوريا الاستمرار في هذا الموقف أولاً وأخيراً. ثانياً، الالتفات أكثر للوضع الداخلي ومحاولة الاستفادة قدر الإمكان من ابتعاد سوريا عن لوحة الإعلام الدولي. الوضع الداخلي في ظل وجود سلطة هجينة بين تيارات عدة. لم تستطع حتى اللحظة أن تظهر للسوريين صورتها الحقيقية. سواء كانت متشددة أم ديمقراطية مثلاً. رغم أن مؤشرات إيجابية موجودة، يقابلها مؤشرات سلبية. لا أريد الدخول في تفاصيلها الآن.
إضافة إلى ذلك، عليها التركيز على الوضع الأمني في حمص ودرعا والجزيرة، من أجل لم السلاح المنفلت. السلاح المنفلت يحتاج لمزيد من الإجراءات القانونية والأمنية المتشددة، خاصة أن الوضع الاقتصادي للبلد، يشكل أرضية للجريمة. هذه إجراءات أولية يجب أن تكون وغيرها عنواناً للعمل بموازاة موقف السلطة من هذه الحرب المدمرة.
اخبار سورية الوطن 2_الثورة
syriahomenews أخبار سورية الوطن
