أشاد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو الجمعة بالعقوبات الأميركية على المحكمة التي سبق أن أصدرت مذكرة توقيف بحقه على خلفية الحرب في قطاع غزة.
فرضت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب عقوبات على المحكمة الجنائية الدولية اليوم الجمعة، بعد ساعات من فوز القاضية السابقة فيها نافي بيلاي بجائزة نوبل للسلام، في خطوة وضعت واشنطن على مسار تصادمي ديبلوماسي مع حلفائها الأوروبيين، ومن المرجح أن تعاقب الشركات التي تقدم خدمات للمحكمة نفسها.
وقال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في بيان اطلعت عليه “رويترز” قبل الإعلان الرسمي: “لن يسمح الرئيس ترامب أبداً للمحكمة الجنائية الدولية بمحاكمة أميركيين. لهذا السبب تفرض الولايات المتحدة اليوم عقوبات على المحكمة الجنائية الدولية. سنحظر المعاملات مع هذه المحكمة المارقة، ونقطع عنها مواردها ونشل قدرتها على العمل”.
وفي المقابل، استنكرت نائبة المدعي العام للمحكمة نزهة شميم خان العقوبات، وقالت لـ”رويترز” إنها “يجب التنديد بها”، مؤكدة أن هدفها “تقويض سيادة القانون على الصعيد الدولي والعمل الذي تقوم به مؤسسة قضائية مستقلة”، وأن عمل المحكمة “سيستمر في جميع القضايا التي تنظرها، وفي تحقيقاتها وملاحقاتها القضائية”.

لاهاي بالأرقام… محكمة تأسست عام 2002 وتطارد زعماء
وتأسست المحكمة الجنائية الدولية عام 2002 لمحاكمة مرتكبي جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية، ويبلغ عدد الدول الأعضاء فيها 125 دولة، من بينها كل دول الاتحاد الأوروبي وجميع أعضاء حلف شمال الأطلسي (الناتو) باستثناء الولايات المتحدة وتركيا، وتبلغ ميزانيتها لعام 2025 نحو 195 مليون يورو (202 مليون دولار).
وتنظر المحكمة في 34 قضية تشمل الأراضي الفلسطينية وأوكرانيا وفنزويلا وميانمار والفيلبين ودولاً أفريقية، وأصدر قضاتها ما لا يقل عن 68 مذكرة اعتقال، بينها مذكرات بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو والرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس الفلبيني السابق رودريغو دوتيرتي، الذي يُنتظر أن يمثل أمامها في 30 تشرين الثاني/نوفمبر. وخلاصة سجلها: 15 حكماً بالإدانة وأربعة أحكام بالبراءة، و23 محتجزاً و34 متهماً فاراً، بينما تراوحت الأحكام بين تسعة أعوام وثلاثين عاماً، وأقصى عقوبة فيها السجن مدى الحياة.

واشنطن والمحكمة… عدوة تاريخية من “قانون غزو لاهاي” إلى اليوم
وتعارض الولايات المتحدة المحكمة منذ وضع نظام روما الأساسي عام 1998؛ إذ أقرت عام 2002 ما يعرف بـ”قانون غزو لاهاي” الذي يخول الرئيس استخدام “جميع الوسائل اللازمة” لإطلاق سراح أي مواطن أميركي تحتجزه المحكمة.
وفرضت واشنطن في عهد ترامب الأول عام 2020 عقوبات على مسؤولين فيها بسبب التحقيق في أفغانستان، ألغاها جو بايدن بعد عام، ثم عادت وفرضت عقوبات جديدة في كانون الثاني/يناير 2025 بعد أيام من عودة ترامب إلى الرئاسة، وبعد إصدار المحكمة مذكرتي اعتقال بحق نتانياهو ووزير الدفاع الإسرائيلي السابق يوآف غالانت، وطالت العقوبات منذ ذلك الحين 13 مسؤولاً بينهم تسعة قضاة. ووصف ترامب المحكمة الشهر الماضي أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة بأنها “مؤسسة مارقة” و”جماعة شريرة”، وحث الدول على الانسحاب منها.

أوروبا تستعد بـ”آلية الحجب”… والخزانة تمنح استثناءات فورية
ومن شأن العقوبات أن تمنع الشركات الأميركية من أي تعامل مع المحكمة، ما يجبر البنوك على إغلاق الحسابات وشركات التأمين على إنهاء التغطيات وشركات البرمجيات على وقف التعاون. واستعد مسؤولو المحكمة للاحتمال منذ أشهر بتحويل برمجيات أجهزتها من شركة مايكروسوفت إلى بدائل مفتوحة المصدر وإعادة ترتيب خدماتها المصرفية والتأمينية، بينما دعا أمين سجلات المحكمة أوزفالدو زافالا غيلر الاتحاد الأوروبي إلى الاستعداد لاستخدام “آلية الحجب” لحماية الدول الأوروبية من الآثار العابرة للحدود للعقوبات.
ومنحت وزارة الخزانة الأميركية بعد الإعلان أربعة تراخيص عامة تسمح بمعاملات متعلقة بالاتصالات والبرمجيات ومدفوعات المعاشات التقاعدية ومعاملات المحتجزين لدى المحكمة.

ومهَّد روبيو للخطوة بالقول إن واشنطن أرجأت العقوبات أملاً في أن تعالج المحكمة والدول الأطراف في نظام روما مخاوفها “لكنها فشلت في ذلك”، مضيفاً: “إما أن تنهي المحكمة الجنائية الدولية تهديداتها أو سننهي وجودها. ونتوقع من حلفائنا… أن يكبحوا جماح المحكمة”، موضحاً أن العقوبات صممت لإتاحة فرصة التفاوض، “وإذا لم تؤت هذه الجهود ثمارها، فسنواصل التعديل وفقاً لذلك”.
وأشاد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو الجمعة بالعقوبات الأميركية على المحكمة التي سبق أن أصدرت مذكرة توقيف بحقه على خلفية الحرب في قطاع غزة. وورد في منشور لمكتبه على منصة “إكس” أن “المحكمة الجنائية الدولية ليست محكمة، بل هيئة سياسية تشكل تهديداً وجودياً للديموقراطيات الملتزمة بالقانون في أنحاء العالم ولمبدأ السيادة الوطنية”.
استنكارٌ أممي
من جهته، أدان الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش العقوبات الأميركية على المحكمة الجنائية الدولية، قائلاً إنها “ضربة قاسية للعدالة الدولية”.
وقال المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة ستيفان دوجاريك للصحافيين إن “قرار اليوم يمثّل ضربة قاسية لمساعينا المشتركة لتحقيق العدالة الجنائية الدولية، التي تشكّل المحكمة ركيزة أساسية فيها”. وأضاف أن “الأمين العام يجدد دعمه الثابت لاستقلال المحكمة ومسؤوليها”.
واعتبر مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك العقوبات التي أعلنتها الولايات المتحدة الجمعة ضد المحكمة الجنائية الدولية “غير مقبولة”.
وقال تورك في بيان إن “هذه العقوبات، وهي الأحدث في سلسلة من التدابير الانتقامية ضد المحكمة الجنائية الدولية وموظفيها بسبب عملهم اليومي الرامي إلى تعزيز المساءلة عن أخطر انتهاكات حقوق الإنسان، غير مقبولة”.
كما دعا تورك المجتمع الدولي إلى عدم السماح لهذه التدابير بأن “تُحدث أثراً رادعاً لدى أولئك الذين يعملون لصالح المحكمة أو معها في السعي لتحقيق العدالة”.

وحضّ المسؤول الأممي الدول التي لم تنضم بعد إلى المحكمة إلى “احترام استقلاليتها وعملها”.
ودعا تورك إلى رفع جميع العقوبات المفروضة على المحكمة الجنائية الدولية وموظفيها، مؤكداً أنه “ثبت بما لا يدع مجالاً للشك، في جميع النزاعات والأزمات التي تعصف بعالمنا، أن الإفلات من العقاب يغذي العنف والمعاناة”.
وأضاف: “علينا أن نستثمر أكثر في ضمان العدالة والمساءلة، بدلا من معاقبة أولئك الذين يوثقون الانتهاكات الجسيمة ويحققون فيها ويلاحقون مرتكبيها”.
استنكارٌ أوروبي – كندي – ياباني
وأعلن وزراء خارجية كل من كندا والدنمارك وألمانيا وفرنسا وإيطاليا واليابان وهولندا والمملكة المتحدة اليوم الجمعة، “وحدة موقفهم” في دعم المحكمة الجنائية الدولية في مواجهة العقوبات الأميركية.
وجاء في بيان مشترك للوزراء: “نحن، الدول الأطراف الموقعة على نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، نجدد التأكيد على دعمنا الثابت والراسخ لاستقلالية المحكمة وحيادها ونزاهتها”.
كما أدان وزير الخارجية الإسباني العقوبات على المحكمة الجنائية الدولية، وأكَّد أن “التزام بلاده تجاه المحكمة والعدالة لا يتزعزع”.
اخبار سورية الوطن 2_وكالات _النهار اللبنانية
syriahomenews أخبار سورية الوطن

