آخر الأخبار
الرئيسية » كلمة حرة » وهم الحياد

وهم الحياد

 

د. سلمان ريا

ما يُطرح اليوم باسم “الحياد” ليس استراتيجية، بل محاولة للهروب من معادلة لا يمكن الهروب منها. المنطقة ليست على حافة صراع؛ بل هي في قلبه، وكل ما يتغير هو مستوى الانكشاف، لا طبيعة الاشتباك. من يتحدث عن الخروج من هذه الدائرة يتجاهل حقيقة أساسية: الجغرافيا لا تُلغى، والاعتماد البنيوي لا يُفك ببيان سياسي.

الخطاب العربي السائد يلامس أحياناً جوهر الأزمة، لكنه يتوقف عند نصف الحقيقة. نعم، العرب يعانون هشاشة بنيوية واضحة: أمن مائي هش في كثير من المناطق، اعتماد اقتصادي على الخارج، وبنى تحتية مكشوفة أمام أي صدمة كبرى. في أي مواجهة واسعة مع إيران، لن تكون المسألة “من ينتصر عسكرياً”، بقدر ما هي “من يستطيع الاستمرار بالحياة”. هذه معادلة قاسية، لكنها واقعية.

غير أن تحويل هذا الإدراك إلى دعوة للحياد يكشف خللاً أعمق في التفكير الاستراتيجي. لأن الصراع مع إيران ليس خياراً يمكن رفضه، بل واقع مفروض بحكم تداخل الأمن، والطاقة، والممرات البحرية، والوجود العسكري للولايات المتحدة في المنطقة. لا يمكنك إعلان الحياد وأنت جزء من البنية التي يقوم عليها الصراع نفسه.

الخطأ الأكثر خطورة هو الخلط بين الرغبة والقدرة. عدم الرغبة في الحرب مفهوم، لكن القدرة على تجنبها تحتاج إلى أدوات: ردع فعلي، استقلال اقتصادي، عمق استراتيجي، وتماسك داخلي. من دون هذه العناصر، يصبح “الحياد” مجرد فراغ جيوسياسي، والفراغ لا يبقى فارغاً—بل يُملأ فوراً بقوة أخرى، غالباً بشروطها هي.

أما الخطاب الذي يصوّر الولايات المتحدة كـ“حليف لا يمكن الوثوق به”، فهو تبسيط مريح. ففي العلاقات الدولية لا توجد عواطف، بل مصالح متحركة. المشكلة ليست في نوايا واشنطن أو طهران، بل في موقع العرب أنفسهم: هل هناك قدرة على فرض شروط جماعية، أم أن كل طرف يتحرك داخل شروط الآخرين؟

الدعوة إلى “الوحدة العربية” تبدو جذابة، لكنها في الواقع أقرب إلى حنين سياسي منها إلى مشروع قابل للتنفيذ. الأنظمة التي لم تنجح في تنسيق سياساتها الاقتصادية أو الأمنية في أوقات الاستقرار، لن تتحول فجأة إلى كتلة استراتيجية متماسكة تحت الضغط. الفكرة ليست خاطئة، لكنها بلا أدوات، وبالتالي بلا أثر.

ما يحتاجه العرب ليس خطاباً أخلاقياً عن الحياد، بل إعادة تموضع بارد داخل الصراع: الانتقال من الاعتماد الأحادي إلى تنويع التحالفات، ومن الاستهلاك الأمني إلى إنتاج جزء من القوة، ومن رد الفعل إلى المبادرة المحدودة. ليس الهدف الانتصار في حرب كبرى—وهذا وهم—بل منع الحرب من التحول إلى تهديد وجودي.

الحقيقة التي يتم تجاهلها: العرب لا يستطيعون خوض حرب مفتوحة، ولا يستطيعون البقاء خارجها بالكامل. وبين هذين الحدّين، لا يوجد “حياد”، بل إدارة دقيقة للمخاطر، حيث إن كل قرار يحمل كلفة، وكل تردد يضاعفها. في النهاية، لن يُسأل أحد عمّا كان يريده، بل عمّا كان قادراً على فعله حين لم يعد هناك وقت للاختيار.

(موقع:أخبار سوريا الوطن)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

زمن النخبة وعودة العقل إلى ساحة الوطن

  بقلم :جمعان العمير   يا أبناء سوريا.يا أبناء هذا التراب الذي شرب دماءكم ودموعكم وصبركم، يا من وقفتم في وجه العاصفة خمسين عامًا وأكثر، ...