آخر الأخبار
الرئيسية » كتاب وآراء » سوريا الجديدة.. بين الانقسام والتقسيم

سوريا الجديدة.. بين الانقسام والتقسيم

 

النظام الجديد في دمشق غير مبالٍ بالاحتلال الإسرائيلي للجنوب السوري، ولا يملك مقوّمات القوة ضد “إسرائيل”، سيّما بعد أن تمّ تدمير الجيش السوري فور سقوط نظام الأسد عام 2024.

 

حسني محلي

 

جاءت تصريحات نتنياهو الأخيرة عن الجنوب السوري وحماية الدروز في المنطقة لتعكس جدية الحسابات الإسرائيلية، ليس فقط في سوريا بل لبنان أيضاً حيث لـ”تل أبيب” حسابات مماثلة. وجاءت هذه التصريحات عقب أحاديثه السابقة عن ترحيل الفلسطينيين إلى الصحراء السعودية الواسعة، هذا في حال فشلت مساعي الرئيس ترامب في ترحيلهم إلى مصر والأردن.

 

في الوقت الذي يستمر فيه الإعلام الإسرائيلي بالحديث عن ترحيل الفلسطينيين إلى الجنوب السوري ليكرر التاريخ نفسه عندما تم طرد الفلسطينيين إلى سوريا ولبنان بعد النكبة الأولى إثر قيام كيان الاحتلال على أرض فلسطين عام 1948.

 

وجاء التحالف بين ترامب ونتنياهو ليعيد إلى الأذهان تأييد الأول لقرارات الكيان بضم الجولان والضفة الغربية، وهو ما سيحيي مشاعر الصهاينة في “دولة إسرائيل الكبرى” وعلى حساب الدويلات المصطنعة التي كانت وما زالت هدف ما يسمى بـ”الربيع العربي” الذي انتهى، على الأقل حتى الآن، بإطاحة الرئيس الأسد وبشكل يرضي “إسرائيل” وحلفاءها في المنطقة، كما ساهم في تقسيم السودان وجرّ الشعب الليبي للاقتتال بين شرق وغرب مع دور تركي مباشر هناك، كما هي الحال في العراق والصومال.

 

فبعد يوم من وقف إطلاق النار في لبنان في 27 ديسمبر/كانون الأول الماضي، وتهديدات نتنياهو للرئيس الأسد في اليوم نفسه، لم يتأخر الكيان الصهيوني في استهدافه لكل المطارات والموانئ والمصانع والمؤسسات والأهداف العسكرية السورية التي تم تدميرها بالكامل كخطوة استباقية لمنع أي عمل عسكري سوري محتمل ضد الدروز في الجنوب والكرد في الشرق، والذين يوليهم الرئيس ترامب اهتماماً خاصاً ومعه فريق عمله ومعروف عنهم تضامنهم السري والعلني مع “وحدات حماية الشعب الكردية” شرق الفرات، والتي تعدها أنقرة امتداداً لـ”حزب العمال الكردستاني” التركي.

 

وتسيطر هذه الوحدات التي تشكل العمود الفقري لما يسمى بـ “قوات سوريا الديمقراطية” منذ عام 2015 على منطقة شرق الفرات، وهي نحو 20% من مساحة سوريا الكلية، وفيها أهم مواقع الغاز والبترول، بالإضافة إلى المحاصيل الزراعية المهمة كالقمح والشعير.

 

وكانت السنوات العشر الماضية بالنسبة إلى هذه الوحدات وغطائها السياسي، أي حزب “الاتحاد الديمقراطي الكردستاني”، كافية لترسيخ كيان كردي شبه مستقل وبدعم مباشر من القوات الأميركية التي جاءت المنطقة بحجة مكافحة الإرهاب الداعشي. ولم تتأخر العديد من العواصم الأوروبية وفي مقدمتها بريطانيا وفرنسا وإيطاليا وألمانيا في إرسال مستشاريها إلى المنطقة لتدريب مسلحي الميليشات الكردية على استخدام جميع أنواع الأسلحة والمعدات العسكرية الثقيلة التي حصلت عليها من هذه العواصم، وأكدت معاً ومعها واشنطن بل وحتى “تل أبيب” التي أعلنت بعد سقوط النظام في دمشق أنها لن تسمح لأحد المساس بالكرد شرق الفرات بعد أن تحولوا إلى قوة لا يستهان بها.

 

ويبدو أن النظام الجديد في دمشق غير مبال بالاحتلال الإسرائيلي للجنوب السوري، ولا يملك مقوّمات القوة ضد “إسرائيل” بعد أن تم تدمير الجيش السوري فور سقوط النظام السوري 8 كانون الأول/ديسمبر 2024. وقد يدفع كل ذلك حكام دمشق الجدد إلى الاستنجاد بأنقرة التي تبذل ما بوسعها لتحقيق المصالحة بين “قسد” والنظام الجديد في سوريا، ومن دون أن تهمل احتمالات القيام بعمل عسكري شامل شرق الفرات بعد انسحاب الأميركيين وحلفائهم من المنطقة.

 

وتفسر هذه المعطيات مساعي أنقرة لتحقيق المصالحة مع “حزب العمال الكردستاني” وإخراج زعيمه عبد الله أوجلان من السجن مقابل إعلانه عن وقف القتال ضد تركيا وترك السلاح، ليساعدها كل ذلك على تقوية موقفها في سوريا والمنطقة وعبر الورقة الكردية التي ستساوم بها الجميع، خصوصاً أنها تسيطر على نحو 10% من مساحة سوريا منذ أن سمح الرئيس بوتين للجيش التركي بالتوغل داخل سوريا في 24 آب/أغسطس 2016.

 

 

 

واستغلت أنقرة ذلك لبسط سيطرتها على الشريط الحدودي غرب وشرق الفرات حيث استنفرت كل إمكانياتها العسكرية والاستخبارية والاقتصادية والمالية والثقافية والدينية لتتريك المنطقة، وكل ذلك بالتنسيق والتعاون مع “هيئة تحرير الشام” والفصائل الحليفة، وإلى جانبها قوات الجيش الوطني السوري الذي تأسس صيف 2019 ليحل محل ما يسمى بـ”الجيش السوري الحر” الذي تأسس في تركيا أيضاً صيف 2011.

 

ودفعت هذه المعطيات الأوساط القومية التركية بمن فيهم رئيس الوزراء السابق أحمد داود أوغلو إلى الحديث عن حقوق التركمان في الشمال السوري وضرورة الاعتراف لهم بهذه الحقوق في سوريا الجديدة مع التذكير بأحاديث الرئيس إردوغان المتكررة بعد 2011 عن خريطة الميثاق الوطني لعام 1920، والتي كانت ترى في الشمال السوري والعراقي من إدلب غرباً إلى السليمانية شرقاً جزءاً من الجغرافيا التركية الحالية.

 

وهو ما تحقق لأنقرة بفضل سياساتها الذكية منذ 2016 والتي جعلت منها اللاعب الرئيسي في المنطقة بغياب الموقف العربي الموحد تجاه الوضع في سوريا ومن قبله في فلسطين ولبنان والعراق وليبيا والصومال حيث تجاهلت العديد من الأنظمة العربية كل المؤامرات التي استهدفت الدول المذكورة.

 

وتواطأ بعض من هذه الأنظمة مع الكيان الصهيوني سراً كان أم علناً بهدف إسقاط نظام الأسد وإيصال الفصائل المسلحة المصنفة بالإرهاب إلى السلطة وبدعم تركي مباشر وضوء أخضر من واشنطن و “تل أبيب”.

 

ويبدو واضحاً أنهما تخططان معاً لترتيب أمور المنطقة برؤية مشتركة ستدعم المشاريع الصهيونية ليس فقط سياسياً وعسكرياً بل أيضاً عقائدياً، والتي ترى في سوريا ولبنان جزءاً من الخريطة الدينية ليهود العالم والذين لا يخفون أطماعهم في كل الجغرافيا من النيل إلى الفرات بما في ذلك الجنوب التركي أيضاً.

 

وربما لهذا السبب تحدث المسؤولون الأتراك وأكثر من مرة عن أهمية الشمال السوري وقالوا إنه يمثل عمقاً استراتيجياً للدفاع عن الأمن القومي التركي، ويبدو أنه امتد ليصل إلى دمشق بحكامها الجدد الذين وصلوا إلى السلطة بدعم من تركيا وهم الآن غير مبالين بكل ما قامت وستقوم به “إسرائيل” في الجنوب السوري.

 

كل ذلك وسط الحديث عن سيناريوهات مختلفة عن تقسيم سوريا إلى دوليات وأياً كانت تسميتها ولأن المهم هو إخراج سوريا من معادلات المنطقة بعد أن كانت الخندق الأمامي والأساسي للدفاع عن قضايا المنطقة وفي مقدمتها فلسطين. وباتت الآن في مهب الرياح الإقليمية والدولية بعد الحرب في غزة ولبنان وإسقاط النظام في سوريا وإضعاف الدور الإيراني في المنطقة، والتي باتت تفتح شهية العديد من الدول الإقليمية والدولية التي كان وما زال لديها العديد من الحسابات التاريخية القومية والدينية والطائفية.

 

ويبقى الرهان في نهاية المطاف على يقظة الشعب السوري بكل فئاته الدينية والطائفية والعرقية التي عليها أن تثبت في حواراتها الداخلية الصادقة وطنيتها والتزامها بوحدة المصير، بعيداً من أي انقسام داخلي يتيح المجال لسيناريوهات التقسيم. وعلى الأنظمة العربية، ولو لمرة واحدة، اتخاذ موقف مشترك لتعود الأمور إلى مجراها الطبيعي وفق المصالح المشتركة في الحد الأدنى للدول العربية وشعوبها، ويعرف الجميع أن غالبيتها الساحقة ضد كل المخططات الصهيونية وغير الصهيونية في الجغرافيا العربية.

 

وبات واضحاً أن مستقبلها مهدد بالدمار الشامل وبكل المعاني إذا استمر التجاهل وأحياناً التواطؤ حيال ما يجري في فلسطين ولبنان والآن في سوريا.

 

وباستمرار الوضع فيها كما هي الحال الآن وفي المستقبل القريب فالمسؤولية الدينية والقومية والوطنية ستقع على عاتق من تبقى من شرفاء الأمة، وهم دائماً وكما كانوا في الماضي على قدر المسؤولية لمواجهة كل المؤامرات الخطيرة التي ستستمر ما دامت روح الصمود والتصدي والمقاومة حية، وهو ما رأه الجميع خلال مراسم تشييع سيد الشهداء حسن نصر الله ورفيق دربه هاشم صفي الدين، والتي شارك فيها الملايين ليس فقط في لبنان بل في عدد كبير من دول العالم.

 

 

 

 

أخبار سوريا الوطن١_الميادين

x

‎قد يُعجبك أيضاً

تجارب حوارية ثلاث في عهدي الاسدين

    ا.د جورج جبور       *ذات يوم اشتد التوتر بين الجبهة الوطنية التقدمية وبين عدد من الكتاب.* *وافقت رئاسة الاتحاد على مطلب ...