مع خروج آلاف من دون إعلان آليات فرز قانوني أو برامج متابعة محددة، ينتقل الملف من احتجاز طويل بلا حسم إلى واقع انتشار بلا إطار قانوني واضح.
لم ينفجر مخيم الهول كما لوّحت التحذيرات طوال سبع سنوات، بل انهار على نحو لا يشبه السيناريوات التي طُرحت سابقاً: لا عبر هجوم واسع، ولا تمرد داخلي، ولا عملية دولية منظمة، بل من خلال تفكك تدريجي تسارع لاحقاً، وانتهى بتحوّل الموقع، الذي كان يُعدّ أخطر نقطة أمنية في شمال شرق سوريا، إلى مساحة شبه فارغة تتنازع الروايات تفسير ما جرى فيها. لم يكن ما حدث مجرد إخلاء، بل انهيار بنية أُديرت طويلاً كملف دولي ثقيل قبل أن تنزلق فجأة إلى واقع محلي مضطرب.
حتى مطلع كانون الثاني/يناير 2026، كان المخيم يضم نحو 23,400 شخص، معظمهم من النساء والأطفال الذين خرجوا من آخر معاقل تنظيم “داعش” في الباغوز عام 2019. وكان القسم الأجنبي يضم أكثر من 6,300 امرأة وطفل من 42 جنسية، ويُنظر إليه بوصفه الكتلة الأكثر حساسية. اليوم، تشير التقديرات إلى أن العدد الإجمالي انخفض إلى أقل من خمسة آلاف، فيما أصبح “قسم المهاجرات” شبه خالٍ، ولم يبقَ فيه سوى عشرات العائلات. تسجيلات حديثة أظهرت سوقاً داخلية شبه مهجورة، وخيماً مطوية وأخرى مفتوحة على الريح، كأن المكان أُفرغ على عجل.
هذا الانخفاض الحاد لم يكن نتيجة خطة استرداد دولية واسعة، بل تزامن مع انتقال إدارة المخيم من “قوات سوريا الديموقراطية” (قسد) إلى الحكومة السورية في أواخر كانون الثاني، ثم تسارع الإفراغ خلال الأسابيع اللاحقة. وكان مسؤول سوري قد صرّح لوكالة “رويترز”، الشهر الماضي، بوجود نية لإغلاق مخيمات النزوح في شمال شرق البلاد، بما فيها تلك التي تضم مدنيين مرتبطين بـ”داعش”، في إطار إعادة تنظيم هذا الملف.
مسارات خروج… وتنافس غير معلن
لم تتخذ المغادرة شكلاً واحداً. تحدثت شهادات ميدانية عن سيارات تدخل ليلاً لإخراج عائلات باتجاه إدلب ومناطق أخرى في الشمال، بعضها إلى مخيمات قرب الحدود التركية، وأخرى إلى مناطق خارج سيطرة الحكومة. في المقابل، أظهرت مقاطع مصوّرة عائلات تغادر علناً من دون وجود أمني ظاهر يمنعها.
بالتوازي، نُقل جزء ممن تبقّى إلى مخيم جديد في ريف حلب الشمالي، يضم مباني مسبقة الصنع وكهرباء دائمة واتصالاً بالإنترنت، لكنه يخلو من البوابات المغلقة والأسوار العالية. لم يكن الانتقال مجرد تغيير موقع، بل تحوّلاً في فلسفة الاحتجاز: من نموذج مغلق عالي الحراسة إلى صيغة أقل انغلاقاً وأقرب إلى إدارة مدنية.
وتداولت حسابات موالية لـ”داعش” معلومات عن شبكات محلية تولّت إخراج عائلات، فيما تحدثت تقارير عن قدوم مقاتلين أجانب من آسيا الوسطى والقوقاز للمساعدة في نقل نساء أجنبيات إلى إدلب. كما ظهرت رسائل تحذيرية على قنوات مناصرة للتنظيم تدعو النساء إلى تجنّب التوجه إلى مناطق معينة. يعكس هذا التداخل أن مصير العائلات لم يكن قراراً إدارياً صرفاً، بل ساحة تنافس غير معلن بين أطراف عدة تسعى للتأثير في مساره.
تعليق عمل الأمم المتحدة
في ذروة التحوّل، علّقت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أنشطتها داخل المخيم إثر حادث أمني عند البوابة الرئيسية، حيث نظّم محتجزون تظاهرة طالبوا فيها بالسماح لهم بالخروج وتوفير مساعدات عاجلة، قبل أن يتجه بعضهم نحو منطقة تمركز فرق الأمم المتحدة ويرشقوا المباني بالحجارة. أُبلغ الشركاء بتوقف جميع الأنشطة داخل المخيم، وغادرت فرق الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية الموقع، فيما تقرر إرسال بعثة أمنية لتقييم الوضع. واستُثنيت خدمات المياه المدعومة من “اليونيسف”، بينما توقفت التوزيعات الأخرى.
جاء ذلك في سياق توتر متصاعد بعد خروج آلاف بطرق غير منظمة ومنع آخرين من المغادرة، ما دفع عائلات إلى الاحتجاج. شكّل تعليق الأنشطة الدولية نقطة انعطاف في تفكيك البنية التي كانت تنظّم الخدمات والوجود الدولي داخل المخيم، وزاد هشاشة المرحلة الانتقالية.
من احتجاز مركزي إلى انتشار مفتوح
لسبع سنوات، أُدير الهول كملف دولي معقّد مرتبط بالتحالف ضد “داعش”، وبمسؤوليات قانونية متشابكة. آلاف النساء والأطفال احتُجزوا من دون مسارات قضائية واضحة، فيما امتنعت غالبية الدول عن استعادة رعاياها. اليوم، ومع خروج آلاف من دون إعلان آليات فرز قانوني أو برامج متابعة محددة، ينتقل الملف من احتجاز طويل بلا حسم إلى واقع انتشار بلا إطار قانوني واضح.
خلال تلك السنوات، انخفض العدد تدريجياً عبر إخراج عائلات سورية بوساطات عشائرية، وإعادة دفعات عراقية، واسترداد محدود من دول آسيوية وأوروبية، لكن الكتلة الأشد حساسية بقيت في “قسم المهاجرات”. اليوم، ينتقل الملف من إطار دولي ثقيل إلى ترتيبات محلية سريعة، وينتقل عبء التعامل مع نتائجه إلى الفاعلين ضمن الجغرافيا السورية نفسها.
إعادة ترتيب المشهد الأمني
وتزامن تفريغ المخيم مع تكثيف الضغط العسكري على التنظيم، إذ نفّذت الولايات المتحدة بين 3 كانون الثاني و12 منه ما لا يقل عن عشر غارات جوية استهدفت أكثر من 30 موقعاً، ضمن حملة أوسع طاولت أكثر من 100 هدف وأدت إلى تحييد أو توقيف نحو 50 عنصراً. كما أُعلن نقل أكثر من 5,700 معتقل بالغ من سوريا إلى العراق خلال 23 يوماً.
هذا التزامن يعكس تحوّلاً في إدارة مرحلة ما بعد “داعش”: تقليص الاحتجاز المدني داخل سوريا، مقابل تشديد القبضة العسكرية ونقل مركز احتجاز المقاتلين. وهكذا، لم يُحلّ ملف الهول بقدر ما أُعيد توزيعه. اختفى المكان بوصفه نقطة تركيز، لكن التحدي بقي قائماً، موزعاً في جغرافيا أوسع وأقل قابلية للضبط.
تفكيك المكان… وتحوّل المعادلة
الخطر الذي كان متركزاً داخل موقع واحد عالي الحراسة أصبح اليوم موزعاً في جغرافيا أوسع: مخيمات أخرى، مناطق مختلفة، ومسارات انتقال غير واضحة بالكامل. آلاف الأشخاص خرجوا من دون برامج تأهيل واسعة أو مسارات قانونية معلنة لإعادة الدمج، ما يضع عبئاً مباشراً على مجتمعات محلية هشة أصلاً في ظل غياب آليات متابعة مؤسسية واضحة.
الهول لم يُحلّ عبر تسوية شاملة، بل أُزيل من مكانه. لم تختفِ المشكلة، بل تغيّر شكلها. كان المخيم نقطة تركيز يمكن مراقبتها — حتى لو نظرياً — أما اليوم فالملف موزّع، أقل قابلية للاحتواء والمتابعة، وأكثر ارتباطاً بجغرافيا متحركة.
وبين انهيار الأسوار وتشتت الكتلة، يتشكّل واقع جديد لا يعيد تعريف مخيم بعينه فحسب، بل يعيد ترتيب معادلة التعامل مع إرث “داعش” في سوريا بأكمله.
اخبار سورية الوطن 2_وكالات _النهار اللبنانية
syriahomenews أخبار سورية الوطن
