دعا الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، الاثنين، إلى إنصاف الشعب الفلسطيني، فيما انتقد بابا الفاتيكان ليو الرابع عشر ما سماها “النزعات الاستعمارية الجديدة”.
جاء ذلك خلال زيارتهما المركز الثقافي لجامع الجزائر في العاصمة، بعد أن أجريا محادثات ثنائية بقصر المرادية الرئاسي، ضمن أول زيارة يجريها البابا للبلد العربي وتستمر 3 أيام.
ولم ترد فورا تفاصيل من الرئاسة الجزائرية عن فحوى المحادثات.
ولاحقا، ألقى تبون خطابا رسميا في جامع الجزائر، بحضور بابا الفاتيكان والوفد المرافق له وسفراء ودبلوماسيين وأعضاء في الحكومة، وفق التلفزيون الجزائري الرسمي.
وقال تبون إن زيارة بابا الفاتيكان تمثل “حدثا تاريخيا”، مرحبا به في “هذه الأرض الطيبة التي أنجبت القديس أغسطينوس”.
والجزائر هي مسقط رأس القديس أوغسطينوس، أحد كبار المفكرين المسيحيين قبل مجيء الإسلام.
تبون أضاف أن الجزائر أرض التاريخ العريق وتلاقي الحضارات، مشددا على تمسك بلاده بقيم الحوار والتسامح والتعايش بين الشعوب.
واعتبر أن بلاده من أكثر الدول حرصا على العدالة الاجتماعية، والعمل من أجل كرامة الإنسان وصون حقوقه.
وثمَّن مواقف بابا الفاتيكان من القضايا الإنسانية، قائلا إن الجزائر تجد العزاء في موقفه “الشجاع والإنساني” من مأساة قطاع غزة.
ومرارا أعرب البابا عن تضامنه مع الفلسطينيين بغزة، ووصف أوضاعها بأنها “غير مقبولة”، وذلك تحت وطأة حرب إبادة جماعية بدأتها إسرائيل بدعم أمريكي في 8 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، وخلّفت أكثر من 72 ألف شهيد فلسطيني، معظمهم أطفال ونساء.
تبون تابع أن صوت الجزائر يتقاطع مع دعوات البابا إلى الأمن والسلام في منطقة الخليج ولبنان، مشددا على ضرورة تغليب الحلول السلمية للأزمات.
وتعرضت دول مجلس التعاون الخليجي لهجمات من إيران ضمن ما اعتبرته الأخيرة ردا على الحرب التي بدأتها الولايات المتحدة وإسرائيل عليها في 28 فبراير/ شباط الماضي، فيما تشن تل أبيب حربا على لبنان منذ 2 مارس/ آذار الماضي.
وقال تبون إن العالم يشهد حروبا وأزمات متصاعدة، لاسيما في الشرق الأوسط، وإن بابا الفاتيكان يعد من أبرز المدافعين عن السلام في هذه المرحلة.
ودعا البابا و”كل الضمائر الحية” إلى إنصاف الشعب الفلسطيني، عبر تمكينه من جهود الإغاثة الموجهة إليه.
ورغم اتفاق وقف إطلاق النار الساري منذ 10 أكتوبر الماضي، تواصل إسرائيل إبادة غزة عبر حصار مستمر وقصف يومي قتل 754 فلسطينا وأصاب 2100، معظمهم أطفال ونساء، فضلا عن دمار مادي.
كما تمنع إدخال الكميات المتفق عليها من المواد الغذائية والأدوية والمستلزمات الطبية ومواد الإيواء والمنازل الجاهرة إلى غزة، حيث يعيش نحو 2.4 مليون فلسطيني، بينهم 1.5 مليون نازح، في أوضاع كارثية.
كذلك دعا تبون إلى وضع حد لـ”الجرائم المسلطة عليه” (الشعب الفلسطيني)، وإعلاء حقه غير القابل للتصرف أو التقادم في إقامة دولته المستقلة ذات السيادة.
وفي عام 1948 أُقيمت إسرائيل على أراضٍ احتلتها عصابات صهيونية مسلحة ارتكبت مجازر وهجرّت ما لا يقل عن 750 ألف فلسطيني، ثم احتلت تل أبيب بقية الأراضي الفلسطينية، وترفض الانسحاب وقيام دولة فلسطينية.
** الاستعمار الجديد
من جانبه، قال البابا ليو الرابع عشر في خطاب من المركز الثقافي بجامع الجزائر إن الاعتراف بالانتماء إلى “عائلة إنسانية واحدة” هو المفتاح لفتح كثير من الأبواب المغلقة.
وأضاف: “في عالم مليء بالصدامات وسوء الفهم، لنتقابل ونسعى إلى فهم بعضنا البعض، مع إدراك أننا أسرة واحدة”.
وأردف أنه جاء إلى الجزائر “شاهدا على السلام والأمل الذي يتطلع إليه العالم”.
وأشاد بروح التضامن والاستقبال وروابط المجتمع التي يتميز بها الشعب الجزائري.
بابا الفاتيكان شدد على أن العالم بحاجة إلى “مسار جديد للتاريخ”، في ظل الانتهاكات المتواصلة للقانون الدولي من جانب قوى عالمية ذات “نزعات استعمارية جديدة”.
ولم يسم بابا الفاتيكان الدول التي تمتلك هذه النزاعات، لكن الأحد هاجمه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشدة، لانتقاده الحرب على إيران وسياسات إدارته تجاه المهاجرين.
ودعا بابا الفاتيكان، الاثنين، الجزائر إلى الاضطلاع بدور فاعل على الساحة الدولية، معتبرا أن تجربتها يمكن أن تسهم في تحقيق عدالة أكبر بين الشعوب.
كما تطرق إلى البحر الأبيض المتوسط والصحراء الكبرى، واصفا إياهما بأنهما معبران جغرافيان وروحيان بالغا الأهمية، محذرا من تحويلهما إلى “مقابر تموت فيها الآمال”.
ودعا بابا الفاتيكان إلى إزالة أسباب اليأس، ومحاربة من يستفيدون من مآسي الآخرين عبر الاتجار بالبشر أو استغلال معاناة المهاجرين.
وحضّ البابا لاوون الرابع عشر، الاثنين، في مستهل زيارته إلى الجزائر، السلطات على تفعيل المشاركة الشعبية في الحياة السياسية والاقتصادية، وعلى تعزيز “حرية” المجتمع المدني.
وقال في خطاب ألقاه بالإنكليزية أمام حشد من المسؤولين، من بينهم الرئيس عبد المجيد تبون “إن قوة البلد الحقيقية هي في تعاون الجميع لتحقيق الخير العام. فالسلطات ليست مدعوة إلى السيطرة، بل إلى خدمة الشعب وازدهاره”.
وأضاف لاوون الرابع عشر “أدعوكم، أنتم أصحاب السلطة في هذا الوطن، إلى عدم الخوف من هذه الرؤية (المشاركة الشعبية)، وإلى تعزيز مجتمع مدني نابض بالحياة، مجتمع ديناميكي، وحرّ، يعترف بقدرة الشباب، خاصة، على المساهمة في توسيع آفاق الرجاء من أجل الجميع”.
منذ الزخم الذي ولّده حراك 2019 المؤيد للديموقراطية والذي طالب بإصلاحات عميقة وبمزيد من الشفافية، تعيش البلاد على وقع تطلعات قوية، ولا سيما لدى الشباب الذين يواجهون شعورا بانسداد الآفاق.
في الأسبوع الماضي، دعت ثلاث منظمات غير حكومية دولية، من بينها “هيومن رايتس ووتش”، البابا لاوون الرابع عشر إلى إثارة قضايا حقوق الإنسان والحرية الدينية مع السلطات الجزائرية خلال زيارته للجزائر.
قبل الخطاب، رحّب الرئيس عبد المجيد تبون بالبابا على أرض الجزائر، معتبرا أن وجوده بين الجزائريين اليوم يمثل “حدثا تاريخيا بكل ما تحمله الكلمة من معان”.
وأضاف “الجزائر هي التي أنجبت القديس أوغسطينوس (354-430)،أبوكم الروحي، وأحد أعظم أعلام الفكر الإنساني في تاريخ البشرية”.
واعتبر تبون أن صوت البابا يحمل “صدى خاصا ووقعا مميزا، لما يجسده شخصه الكريم من قيم إنسانية رفيعة ولما تعكسه مكانته السامية من رسائل روحية راقية ونبيلة”.
وحيا الرئيس الجزائري موقف البابا “الشجاع والإنساني من مأساة غزة ومن التطورات الخطيرة التي عرفتها ولا تزال تعرفها القضية الفلسطينية” معتبرا اياه “خير مرافع عن السلام في العالم، في وقت تعصف فيه الحروب بأمن واستقرار عديد المناطق عبر العالم, وفي مقدمتها منطقة الشرق الأوسط”.
ومن المنتظر أن يزور البابا ولاية عنابة الساحلية شرقي البلاد، مسقط رأس القديس “أوغسطينوس”، الذي يعتنق البابا فكره ومذهبه.
اخبار سورية الوطن 2_وكالات _راي اليوم
syriahomenews أخبار سورية الوطن
