علي إسماعيل
في 3 كانون الأول 2025، اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارا طرحته مصر يدعو “إسرائيل” إلى الانسحاب من هضبة الجولان السوري، باعتبار احتلالها وضمها للمنطقة “عملا غير قانوني”، وينص القرار المعتمد، الذي صوتت 123 دولة لصالحه، على أن احتلال “إسرائيل” لهضبة الجولان وضمها يتعارض مع قرار مجلس الأمن رقم 497 لعام 1981.
وأكد المسؤولون السوريون في الإدارة السورية الجديدة مرارا التمسك بالحقوق السورية، معتمدين على المواجهة الدبلوماسية، باعتبارها الأنجع لاسترداد ما سلبه الاحتلال “الإسرائيلي” في ضوء القانون الدولي والمراجع الأممية.
وحقق العمل الدبلوماسي السوري نجاحا نوعيا في ملف الاحتلال “الإسرائيلي”، بحسب الخارجية السورية، التي اعتبرت أن زيادة عدد الدول التي صوتت لصالح القرار الأممي الأخير تظهر حجم الدعم لسوريا الجديدة وتمسكها بالجولان المحتل.
وانعكس إصرار القيادة السورية على التمسك بالحقوق السورية واتخاذ الدبلوماسية خيارا استراتيجيا في استردادها بشكل واضح في كلام الرئيس السوري أحمد الشرع، خلال جلسة حوارية ضمن فعاليات منتدى أنطاليا في دورته الخامسة، المنعقد في تركيا تحت شعار “التعامل مع حالات عدم اليقين عند رسم المستقبل”، في 17 نيسان الجاري.
وأكد الرئيس الشرع بطلان اعتراف أي دولة بأحقية “إسرائيل” بالجولان السوري، وقال: “هذا حق للشعب السوري، ويمكن لدولة ما أن تتخلى عن جزء من أراضيها إن وافق شعبها، لكنها لا تستطيع أن تعترف بأحقية “إسرائيل” بأراضي الآخرين”، مشيدا بالقرار الأممي الأخير الذي أكد أن الجولان أرض سورية بامتياز وتحتلها “إسرائيل”.
ولفت الرئيس الشرع إلى أن “إسرائيل” تخرق اتفاق فض الاشتباك لعام 1974، وأن العمل جار على الوصول إلى اتفاق أمني يضمن انسحابها من الأراضي التي احتلتها بعد سقوط النظام المخلوع، ووضع قواعد جديدة إما تعيد العمل باتفاق فض الاشتباك أو تفضي إلى إبرام اتفاق جديد يضمن أمن الطرفين، لافتا إلى أنه إن نجح الوصول إلى اتفاق، فقد يتم الانتقال لاحقا إلى مفاوضات طويلة الأمد لحل موضوع الجولان المحتل.
ولا يزال الدور الأميركي، الذي يعمل على دعم الحكومة السورية الجديدة في مساعيها لترسيخ الأمن والاستقرار على المستويين الداخلي والإقليمي، يحافظ على زخمه، حيث وصف المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا وسفير أميركا في أنقرة، توماس باراك، خلال مشاركته في مؤتمر أنطاليا، التعامل السوري مع الاستفزازات “الإسرائيلية” بأنه تعامل حكيم، وقال إن سوريا أعلنت مرارا استعدادها للتفاوض.
وتسعى الولايات المتحدة، في مقاربتها، إلى ترسيخ الاستقرار الداخلي في سوريا لتكون ضمن الفواعل الإقليمية الجديدة والرئيسية في المنطقة، وهذا الاستقرار، بحسب العديد من المحللين، لا يتم إلا عن طريق وقف الانتهاكات “الإسرائيلية” عبر اتفاقات واضحة تضمن لها مخاوفها.
ويعبر المسؤولون الأميركيون عن مساعيهم لتحويل أي اتفاق مبدئي بين سوريا و”إسرائيل” إلى خارطة طريق تنتهي بتسوية سياسية شاملة، فما تعريفات الاتفاقات الأمنية في العلاقات الدولية؟ وما الفرق بينها وبين التسويات السياسية الشاملة؟
التعريفات الأكاديمية للاتفاق الأمني
لا يوجد تعريف أكاديمي صارم لمصطلح الاتفاق الأمني، باعتبار أنه نتيجة طبيعية لاتفاق سياسي أو معاهدة سلام بين طرفين متنازعين، غير أن هذا المصطلح، بحسب مجلة الدراسات الفلسطينية للكاتب مهند عبد الحميد، الذي استقر على ما يسمى “التنسيق الأمني” بين “إسرائيل” وأجهزة أمن السلطة الفلسطينية الناشئة، هو اختراع أوجده “اتفاق أوسلو”.
ويعرف التنسيق الأمني الفلسطيني – “الإسرائيلي” بأنه تعاون رسمي بين أجهزة الأمن التابعة للسلطة الوطنية الفلسطينية وبين قوات الأمن “الإسرائيلية”، نشأ بعد توقيع اتفاقيات أوسلو بين عامي 1993 و1995، ويشمل التنسيق تبادل المعلومات الأمنية، ومنع تنفيذ العمليات المسلحة، وضبط التحركات العسكرية والأمنية في مناطق الضفة الغربية.
وبحسب مراجع الطرفين الفلسطيني و”الإسرائيلي”، يهدف التنسيق الأمني إلى منع تنفيذ عمليات مسلحة ضد “إسرائيل” من داخل مناطق السلطة، وتبادل المعلومات الاستخباراتية حول التحركات والنشاطات الأمنية، والتنسيق حول التحركات الأمنية في المناطق المشتركة، والحفاظ على الاستقرار الداخلي في مناطق السلطة الفلسطينية.
وأيضا استخدم المفهوم عقب توقيع معاهدة السلام المصرية – “الإسرائيلية” في واشنطن في 26 آذار 1979، بعد اتفاقية كامب ديفيد لعام 1978، حيث تتضمن معاهدة السلام نصا يطلق عليه “آلية الأنشطة المتفق عليها”، التي تسمح لمصر و”إسرائيل” بتغيير ترتيبات القوات المصرية في سيناء دون الاضطرار إلى إعادة النظر رسميا في المعاهدة نفسها.
وقد سمحت “إسرائيل” لمصر بنشر قوات وسط وشرق سيناء بسبب المخاوف الأمنية المتبادلة، كوجود جماعات مسلحة في هذه المناطق، ويتم تنسيق هذه التعديلات من خلال القوة المتعددة الجنسيات.
ولذلك يعرف الاتفاق الأمني المحدود بين الدول، بحسب الأحداث الدولية، وخاصة في المنطقة العربية، بأنه تفاهم أمني على ملفات محددة، يكون عادة مكتوبا، لكنه أقل شأنا من المعاهدة الشاملة، ويهدف إلى معالجة وضع خاص في وقت محدد دون الوصول إلى مرحلة اتفاقية السلام النهائية أو ما يعرف بالتسوية السياسية الشاملة.
وفي سوريا، وبحسب محللين، فإن الأوضاع أكثر تعقيدا، ولذلك فإن المقاربة السورية لأي تقارب سوري – “إسرائيلي” يجب أن تأخذ في الاعتبار الخطوط السورية الحمراء، وضمان عدم استمرار الانتهاكات “الإسرائيلية”، لذلك أكد الرئيس الشرع على جواب الشرط الجازم والحازم بالانتقال إلى مفاوضات طويلة الأمد لحل موضوع الجولان المحتل في حال نجح الوصول إلى اتفاق أمني.
وفي هذا السياق، يقول المحلل والباحث السياسي ميلاد مالك الأطرش، في حديثه لصحيفة “الثورة السورية”، إن ملف الجولان السوري المحتل يعود إلى واجهة النقاش الآن في خضم تحولات إقليمية متسارعة، لكن هذه المرة ضمن مقاربة أكثر واقعية، تقوم على الفصل بين ما هو ممكن الآن وما هو مؤجل إلى طاولة المفاوضات، حيث إن تصريحات الرئيس السوري أحمد الشرع، التي شدد فيها على بطلان أي اعتراف بسيادة “إسرائيل” على الجولان، بالتوازي مع الحديث عن إمكان التوصل إلى “اتفاق أمني”، تكشف عن استراتيجية مزدوجة تقوم على تثبيت الشرعية القانونية من جهة، وإدارة الواقع الميداني من جهة أخرى.
ويضيف أنه حين تؤكد دمشق أن الجولان “أرض سورية محتلة”، فهي لا تعيد إنتاج خطاب سياسي تقليدي، إنما تستند إلى منظومة قانونية دولية تقودها الأمم المتحدة، وعلى رأسها قرار مجلس الأمن 497، الذي اعتبر ضم الجولان لاغيا ولا أثر قانونيا له، وهذا التمسك لا يهدف إلى الحسم الفوري، بل إلى رسم خط أحمر، وأي مسار تفاوضي مستقبلي يجب أن ينطلق من اعتبار الجولان أرضا محتلة، لا منطقة متنازعا عليها، وهنا تكمن نقطة الانطلاق لكل ما يلحق.
ويقول الباحث الأطرش إن الاتفاق الأمني هو بمثابة أداة لاحتواء الصراع وخيار واقعي ومرحلي، حيث إن هذا النوع من الاتفاقات لا يهدف إلى حل النزاع، بل إلى ضبطه ومنع انفجاره، وملامحه واضحة من وجهة نظري وتتمحور حول انسحاب القوات إلى خطوط 1974، وإعادة تنظيم الانتشار العسكري، ووضع قواعد اشتباك جديدة، وتعزيز دور قوات الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك، لكن جوهره يبقى واضحا، وهو إدارة الصراع دون المساس بجذوره، فهو لا يتناول السيادة، ولا يحسم قضية الجولان، بل يجمدها ضمن إطار أمني قابل للاستمرار.
المعاهدة والتسوية السياسية الشاملة
بحسب مراجع القانون الدولي العام لمحمد يوسف علوان، فإن المعاهدة الدولية أو الاتفاقية الدولية هي توافق إرادة شخصين أو أكثر من أشخاص القانون الدولي على إحداث آثار قانونية معينة طبقا لقواعد القانون الدولي، وقد أخذت لجنة القانون الدولي الأممية بهذا المعنى الواسع للمعاهدة في المشروع الذي أعدته لقانون المعاهدات.
وعرفت الفقرة الأولى من المادة الثانية من اتفاقية فيينا المعاهدة بأنها الاتفاق الدولي المعقود بين الدول في صيغة مكتوبة، والذي ينظمه القانون الدولي، سواء تضمنته وثيقة واحدة أو وثيقتان أو أكثر، ومهما كانت تسميته الخاصة. وينطبق مصطلح الاتفاقية كذلك على أية معاهدة تعد أداة منشئة لمنظمة دولية، وعلى أية معاهدة تعتمد في نطاق منظمة دولية، مع عدم الإخلال بأية قواعد خاصة بالمنظمة.
ويشير المحامي علي غنوم في مقالاته إلى استخدام مصطلح “معاهدة” للإشارة إلى المسائل ذات الخطورة التي تتطلب اتفاقيات أكثر جدية، ومن الأمثلة النموذجية للصكوك الدولية المسماة “معاهدات” معاهدات السلام، ومعاهدات الحدود، ومعاهدات ترسيم الحدود، ومعاهدات تسليم المجرمين، ومعاهدات الصداقة والتجارة والتعاون، وقد انخفض استخدام مصطلح “معاهدة” في الإشارة إلى الصكوك الدولية بشكل كبير في العقود الأخيرة لصالح مصطلحات أخرى.
والاتفاقية، بوصفها مصطلحا أوسع، تشمل المعاهدات، حيث تعبر عن الاتفاقيات التي تبرمها الدول في غير الشؤون السياسية، بالإضافة إلى اتفاقات غير ملزمة مثل المذكرات، وتبادل الرسائل، والبيانات المشتركة، وتهدف الاتفاقيات إلى تعزيز التعاون الدولي في مجالات محددة دون إنشاء التزامات قانونية صارمة.
وتمر المعاهدة بالعديد من المراحل، هي المفاوضات، ثم التحرير، والتوقيع، والتسجيل والنشر، والتصديق، وهذه المسارات ليست إلزامية، ولكن أهم مسارين هما صياغة المعاهدة والتصديق، الذي يعبر عن تصرف قانوني داخلي، بمقتضاه تعلن الدولة قبولها بصفة رسمية ونهائية للمعاهدة التي وقعها ممثلوها. وأيضا إن التفاوض في الاتفاقية يكون أعلى مستوى تمثيلي للدول فيه هو وزير الخارجية، بينما في المعاهدة يصل إلى مستويات أعلى بحسب دستور كل دولة.
وهنا يرى الباحث الأطرش أن التسوية السياسية الشاملة، أو ما تسمى المعاهدة، هي مسار مختلف جذريا، فهي لا تكتفي بوقف التوتر، بل تعالج القضايا الجوهرية، وهي السيادة على الأرض، والاعتراف المتبادل، والترتيبات الأمنية الدائمة، والعلاقات السياسية والاقتصادية، وهذا النوع من التسويات يحتاج وقتا طويلا، ورعاية دولية، وتوازنات إقليمية معقدة. وبهذا المعنى، يتم التعامل مع الجولان ليس ملفا للحل الفوري، بل بوصفه ورقة تفاوضية ثقيلة ترحل إلى مرحلة لاحقة، فقبل التفاوض على الأرض، يجب أولا تثبيت خطوطها ميدانيا.
ويضيف أن “هذه المقاربة تعني عمليا فصل المسار الأمني عن السياسي، وتأجيل القضايا السيادية، وبناء مسار تدريجي يبدأ بالتهدئة وينتهي نظريا بالتسوية، ولكن التجارب السابقة تشير إلى أن هذا “التأجيل” قد يطول، وربما يتحول إلى حالة دائمة”.
خارطة الطريق الأميركية
لا تخفي الولايات المتحدة حرصها على ترسيخ الاستقرار في سوريا، معتبرة أن دمشق تعد الآن منطلق استقرار في المنطقة، وهذا الاستقرار يجب أن يستدام من خلال ضمان استقرار الحدود مع “إسرائيل”.
وعبر المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توماس باراك عن هذه المقاربة بقوله إن سوريا، تحت قيادة الرئيس أحمد الشرع، “لم تطلق رصاصة واحدة على “إسرائيل”، بل على العكس”، مضيفا: “لقد قالوا مرارا وتكرارا إننا مستعدون للحوار”، وأضاف: “رهاني أننا سنتوصل إلى اتفاق عدم اعتداء وتطبيع مع سوريا قبل لبنان”.
وأشار إلى ما وصفه باستعداد دمشق الدائم للانخراط في العملية، وقال: “لقد أظهر السوريون قدرا هائلا من الصبر”، وأضاف أنه “لا يوجد أي هدف” للمواجهة مع “إسرائيل”، كما نوه إلى تعقيد البيئة الإقليمية، قائلا: “نحن نتعامل مع خمس دول على خمسة حدود وبحرين”.
وبحسب ديفيد شينكر، في معهد واشنطن ومدير “برنامج ليندا وتوني روبين” حول السياسة العربية، والذي شغل سابقا منصب مساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الأدنى، فإن الولايات المتحدة تعمل على لجم “إسرائيل” ومنعها من تصعيد الأوضاع في الجنوب السوري، وهو ما بدا واضحا بانتقاد واشنطن، أوائل كانون الأول من العام الماضي، العمليات العسكرية “الإسرائيلية” في جنوب سوريا، فبعد أن أسفرت غارة “إسرائيلية” في 28 تشرين الثاني من العام الماضي عن استشهاد ثلاثة عشر سوريا، وجه الرئيس الأميركي تحذيرا إلى “إسرائيل” في منشور على منصة “تروث سوشيال” من القيام بأي أنشطة قد “تتعارض مع مسار تطور سوريا إلى دولة مزدهرة”.
وأيضا في تموز من العام الماضي، وعقب قصف وزارة الدفاع السورية ومناطق حيوية، اتهم كبار المسؤولين في الإدارة الأميركية رئيس الوزراء “الإسرائيلي” بنيامين نتنياهو “بالتسرع في اتخاذ القرارات”، وقال أحد مسؤولي البيت الأبيض، مشتكيا: “إنه يقصف كل شيء باستمرار، وقد يقوض ذلك ما يحاول ترامب إنجازه”.
وفي هذا السياق، يقول الباحث الأطرش لصحيفة “الثورة السورية” إن التصريحات التي أدلى بها المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا تنسجم مع نهج الولايات المتحدة التقليدي، الذي يفضل إدارة الأزمات بدل حلها فورا، فالمقاربة الأميركية تقوم على مراحل: خفض التصعيد عبر اتفاقات أمنية، وبناء إجراءات ثقة، وإطلاق مفاوضات سياسية لاحقا، لكن الأولوية لديها تبقى واضحة، وهي ضمان الاستقرار وأمن “إسرائيل” قبل أي نقاش حول السيادة أو الانسحاب النهائي، وهذا يفسر التقاطع الجزئي مع الطرح السوري، فكلا الطرفين يقبل بالاتفاق الأمني، لكن لأسباب مختلفة.
ويضيف أن هناك توازنا دقيقا بين ثلاث مقاربات، تبدأ من سوريا التي تريد تثبيت الشرعية القانونية ورفض الأمر الواقع، وثانيها الولايات المتحدة التي تريد تثبيت الاستقرار ومنع التصعيد، وأخيرا “إسرائيل” التي تسعى إلى ضمان الأمن مع الحفاظ على المكاسب الميدانية، وهذا التوازن يفرض حلا وسطا، وهو اتفاق أمني الآن، وتسوية سياسية لاحقا.
ويتابع: ما يطرح اليوم لا يشير إلى نهاية الصراع على الجولان، بل إلى إعادة تنظيمه ضمن مراحل، فالاتفاق الأمني، إن تحقق، سيكون بمثابة إطفاء للحريق، لكنه لا يعيد بناء المشهد بالكامل، ولكن في تاريخ الصراعات، كثيرا ما تبدأ الحلول بإجراءات مؤقتة، لكنها تنتهي كحدود دائمة، والجولان، مرة أخرى، يقف عند هذه النقطة الفاصلة بين الممكن الآن والمؤجل إلى “أجل غير مسمى”.
اخبار سورية الوطن 2_الثورة السورية
syriahomenews أخبار سورية الوطن
