أكد مدير إدارة التعاون الدولي في وزارة الخارجية والمغتربين قتيبة قاديش أن سوريا تشهد تحولاً استراتيجياً في دورها وعلاقاتها الدولية، وتعمل على استعادة مؤسساتها وتعزيز مكانتها دولة مسؤولة وشريكاً فاعلاً في الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي.
ونوه قاديش، في كلمة أمام مجموعة عمل المغرب العربي والمشرق (MaMa) في مجلس الاتحاد الأوروبي ببروكسل اليوم الخميس بأن أوروبا لا تمثل لسوريا مجرد جهة مانحة، بل شريك طبيعي في بناء مستقبل أكثر أمناً واستقراراً وازدهاراً لسوريا والمنطقة، وأن أمن سوريا واستقرارها مصلحة مشتركة.
وأشار قاديش، إلى أن سوريا التي عرفها الأوروبيون خلال السنوات الماضية من خلال الحرب والنزوح والدمار، تنهض اليوم وتعيد بناء مؤسساتها وتستعيد دورها، ولفت إلى أن التحول الذي بدأ مع سقوط النظام البائد في الثامن من كانون الأول 2024 أحدث تغييراً عميقاً في طبيعة الدولة وعلاقتها بشعبها والعالم.
تحول الدور السوري في مكافحة الإرهاب والمخدرات
وأوضح قاديش أن سوريا انتقلت خلال أقل من عامين من مركز لإنتاج المخدرات وتهريبها في عهد النظام البائد إلى شريك في مكافحتها، كما تتعاون مع المؤسسات الدولية لمعالجة إرث الأسلحة الكيميائية، واستعادت حقوقها في منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، وانضمت إلى التحالف الدولي ضد تنظيم “داعش”.
وأكد أن السياسة الخارجية السورية تقوم على بناء علاقات متوازنة وبنّاءة، واحترام سيادة الدول ومصالحها، والابتعاد عن المحاور والصراعات، مشيراً إلى تطلع سوريا لأن تكون عامل استقرار وجسراً للتعاون بين محيطها العربي وأوروبا.
وشدد على أهمية التعاون الأمني والمؤسسي المباشر مع الدول الأوروبية في مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة وتهريب المخدرات والهجرة غير النظامية والاتجار بالبشر وأمن الحدود، عبر تبادل المعلومات والخبرات وبناء القدرات، بما يعزز أمن الجانبين، ويسهم في تهيئة الظروف لعودة اللاجئين الطوعية والآمنة والكريمة.
التوغلات الإسرائيلية تهدد جهود الاستقرار
وحذّر قاديش من أن استمرار التوغلات الإسرائيلية في الأراضي السورية يشكل تحدياً أمام جهود استعادة الاستقرار، مشيراً إلى إقامة نقاط تفتيش ومنشآت عسكرية في الجنوب، وتنفيذ عمليات دهم وتوقيف طالت مدنيين بينهم أطفال.
وأكد أن هذه الممارسات تقوض الاستقرار وتهدد بإعادة إشعال التوتر، داعياً أوروبا إلى دعم احترام القانون الدولي واتفاق فض الاشتباك لعام 1974، ومنع التصعيد والحفاظ على سيادة سوريا ووحدة أراضيها.
إزالة العوائق المالية لاستعادة العلاقات الاقتصادية

وثمّن قاديش التطورات في العلاقات السورية الأوروبية، ولا سيما رفع العقوبات الاقتصادية واستئناف الحوار السياسي رفيع المستوى وعودة التمثيل الدبلوماسي الأوروبي إلى دمشق، مؤكداً ضرورة ترجمة هذه الخطوات إلى نتائج ملموسة.
ودعا إلى إزالة العوائق التي لا تزال تواجه التحويلات المصرفية والعلاقات بين المصارف وتمويل التجارة والاستثمار، موضحاً أن الصعوبات العملية في المعاملات المالية تحد من قدرة الشركات على الاستثمار، والمؤسسات الدولية على تمويل التعافي.
كما دعا إلى مراجعة تصنيفات المخاطر والتحذيرات المتعلقة بالسفر إلى سوريا، استناداً إلى تقييمات أمنية محدثة وموضوعية.
أربعة محاور وطنية للتعافي وإعادة بناء المؤسسات
وأكد قاديش أن الاستقرار المستدام يتطلب معالجة تراجع الخدمات ونقص فرص العمل وضعف المؤسسات، مشيراً إلى أن الحكومة وضعت إطاراً وطنياً للتعافي يقوم على أربعة محاور: إعادة تأهيل البنية التحتية الحيوية، واستعادة الخدمات الأساسية، وتعزيز الصمود الاقتصادي والاجتماعي، ودعم الأنظمة الحكومية والإدارة العامة.

ولفت إلى أن إدارة التعاون الدولي تعمل على تطوير منظومة تنسيق وطنية تربط أولويات التعافي بالشركاء الدوليين، بما يمنع ازدواجية البرامج، ويحسن توظيف الموارد ويعزز الشفافية ومتابعة النتائج.
وشدد على أهمية الانتقال من الدعم الإنساني إلى معالجة أسباب الاحتياجات، عبر الاستثمار في قدرات المؤسسات والمجتمعات، بما يحقق التعافي المستدام.
ثلاث أدوات لتنسيق الشراكات والتمويل
وكشف قاديش عن تطوير ثلاث أدوات لتعزيز التعاون الدولي، أولها منتدى تنسيق الشراكات السورية (SPCF)، بهدف مواءمة البرامج والتمويل وتحديد الفجوات وتطوير المشاريع ومتابعة تنفيذها، مشيراً إلى أن اجتماعه المرتقب في دمشق خلال تشرين الثاني الجاري يستهدف الانتقال إلى تنسيق التنفيذ، عبر مجموعات عمل قطاعية وخريطة محدثة للدعم الدولي ومحفظة مشاريع قابلة للتمويل.
وتتمثل الأداة الثانية في مركز المساعدة الفنية، الذي تعمل سوريا مع المفوضية الأوروبية على تطويره لتلبية احتياجات المؤسسات الوطنية من الخبرات، ولا سيما في الإدارة العامة والمالية والتخطيط والتحول الرقمي وإعداد المشاريع، بما يعزز القدرات الوطنية داخل المؤسسات السورية ،أما الأداة الثالثة فتتمثل في تطوير آليات التمويل التنموي والاستثماري.
ورحب قاديش بالاتفاق مع مجموعة البنك الدولي لإنشاء صندوق التعافي وإعادة الإعمار (START)، معرباً عن تطلع سوريا إلى توسيع التعاون مع بنك الاستثمار الأوروبي والمؤسسات المالية والتنموية الأوروبية.
وأكد الحاجة إلى نموذج تمويلي يجمع المنح والمساعدة الفنية والتمويل التنموي والاستثمار المسؤول، بما يعزز قدرات الدولة ويوفر فرص العمل ويدعم النمو الاقتصادي.
وحدد قاديش ثلاث رسائل للتعاون مع أوروبا، أولها تحويل المصالح الأمنية والاستراتيجية المشتركة إلى تعاون مؤسسي مباشر، وثانيها تغيير نهج التعاون عبر التعامل مع المؤسسات الوطنية السورية التي تتولى تحديد الأولويات وتحويلها إلى خطط ومشاريع.

وقال: “لم نعد نطرح قوائم بالاحتياجات، بل نقدم رؤية وطنية نسعى إلى تنفيذها بالشراكة مع المجتمع الدولي”، داعياً الحكومات الأوروبية إلى المشاركة في منتدى تنسيق الشراكات السورية وتوجيه الموارد نحو برامج متكاملة بدلاً من المبادرات المتفرقة.
وتابع قاديش: تتمثل الرسالة الثالثة في الانتقال من التعهدات إلى التنفيذ وتحقيق النتائج، داعياً الدول الأوروبية إلى تحديد قنوات اتصال مباشرة ومجالات تعاون واضحة، والعمل على مشاريع قابلة للتنفيذ والتمويل وفق جداول زمنية وآليات متابعة مشتركة، واستكمال إعادة الانخراط الاقتصادي والمالي وإزالة العوائق أمام عودة العلاقات الطبيعية.
وأكد قاديش أن السوريين يتطلعون إلى الأمن والاستقرار وعودة الخدمات وفتح المدارس وتعافي الاقتصاد، واستعادة المؤسسات قدرتها على تلبية احتياجات المواطنين.
وختم بالتأكيد على أن أمن سوريا واستقرارها مصلحة مشتركة، وتعافيها فرصة مشتركة، ونجاحها في إعادة بناء مؤسساتها مكسب لسوريا وأوروبا والمنطقة، مشدداً على أن سوريا لا تطلب من أوروبا بناء مستقبلها نيابة عنها، بل تدعوها إلى الشراكة في تمكين السوريين من بنائه بأنفسهم.

اخبار سورية الوطن 2_سانا
syriahomenews أخبار سورية الوطن
