أخبار سوريا الوطن -أسرة التحرير
ليس كل فنان تقاس تجربته بعدد لوحاته أو المعارض التي شارك فيها، فثمة فنانون تتحول حياتهم بحد ذاتها إلى حكاية إبداع، وتصبح علاقتهم بالمكان والإنسان والطبيعة جزءاً لا يتجزأ من أعمالهم. ومن هؤلاء الفنان التشكيلي حسن ديب، ابن قرية حمين في ريف طرطوس، الذي جمع في تجربته بين الثقافة الفنية الإيطالية والهوية المحلية، وبين شغف الجمال والتمسك بالجذور.
ولد الفنان حسن ديب في قرية حمين عام 1941، ونشأ في أسرة عريقة عُرفت بمكانتها الدينية والأدبية والعلمية، ينتمي إليها عدد من الشخصيات المعروفة في الساحل السوري، ومن بينها والده الشيخ علي عبد الكريم عمران، وجده الشيخ عبد الكريم عمران، الذي يحمل الجامع الكبير في مدخل بلدة حمين اسمه، وقد أسهم في بنائه. ومن أفراد أسرته أيضاً الأستاذ الراحل محسن عمران، عضو مجلس الشعب سابقاً، والدكتور الراحل محمد عمران ديب، اختصاصي أمراض القلب.
بدأت ملامح موهبته الفنية بالظهور في سن مبكرة، ففي الثانية عشرة من عمره أنجز تصميماً لبرج إيفل باستخدام قطع خشبية صغيرة مشغولة يدوياً بأدوات بسيطة وإمكانات متواضعة، في تجربة مبكرة كشفت عن خيال هندسي وفني لافت، وعن شغف لم يكن عابراً، بل تحول لاحقاً إلى مسار حياة.
بعد إنهاء مراحله الدراسية الأولى في مدرسة المتنبي بمدينة طرطوس، اتجه إلى إيطاليا لتحقيق حلمه بدراسة الفنون الجميلة، وهناك أمضى واحداً وعشرين عاماً، نهل خلالها من مدارس الفن والثقافة الأوروبية، وطور تجربته الأكاديمية والمهنية، وحصل على دبلوم متقدم في اختصاص ديكورات المسارح والتلفزيون.
ولم تقتصر تجربته الإيطالية على الدراسة والرسم، بل عمل في تصميم وتنفيذ ديكورات الأعمال المسرحية والبرامج التلفزيونية في التلفزيون الإيطالي الرسمي، كما انخرط في النشاط الطلابي والاجتماعي، وتولى مسؤولية فرع اتحاد الطلبة في إيطاليا. وقد أثمرت مشاركاته الفنية في معارض بمدينة فلورنسا عن حصوله على خمس ميداليات ذهبية، في إنجاز يعكس حضور تجربته الفنية خارج حدود الوطن.
ورغم سنوات الاغتراب الطويلة، ظل ارتباطه بجذوره حاضراً في وجدانه. فقد حافظ على قيمه وعاداته وتقاليده، حتى إنه أدى فريضة الحج برفقة والده عام 1975، في تجربة يعتز بها، قبل أن يعود في نهاية المطاف إلى مسقط رأسه، مختاراً حمين لتكون مكان إقامته واستقراره، بعيداً عن صخب المدن واغتراب السنوات.
.*الفن الذي لا تحده جدران اللوحات
يصنف حسن ديب أعماله ضمن الفن التشكيلي المعاصر الملتزم، فهو لا يرى أن المدرسة الفنية ينبغي أن تفرض قيودها على أفكار الفنان، بل يؤمن بأن الفنان هو من يوظف أدوات المدرسة واتجاهاتها للتعبير عن رؤيته الخاصة. ولعل عبارته التي تلخص فلسفته الفنية خير تعبير عن ذلك: «ما حصلت عليه في إيطاليا هو العلم والمعرفة والصدق فقط، وبالنسبة للرسم فقد كان بالنسبة لي التزاماً بخطوط محددة محافظة تقدم الأفكار التي تجوب في مخيلتي بطريقة معاصرة، أي أني من يؤطر خطوط هذه المدرسة وليس هي من تؤطر أفكاري».
وفي قريته حمين، أنشأ صالة عرض فنية دائمة بجوار منزله، جمع فيها جانباً مهماً من نتاجه الفني ومقتنياته وأرشيفه، لتصبح مساحة مفتوحة على تجربته الممتدة لسنوات طويلة. وتضم الصالة أكثر من مئة لوحة متنوعة، إلى جانب اسكتشات وتصاميم معمارية وأعمال ديكور أنجزها خلال مسيرته، فضلاً عن مقتنيات وكاميرات تصوير قديمة توثق جانباً من حياته المهنية في إيطاليا.
واللافت في تجربته أنه لا يتعامل مع الفن باعتباره سلعة أو وسيلة للكسب، فهو لم يسعَ إلى بيع لوحاته، ولا يزال يحتفظ بأعماله التي أنجزها على امتداد سنوات عمره، ويتيح للمهتمين مشاهدتها في صالته الخاصة.
ولا يتوقف إبداعه عند حدود الألوان والفرشاة، إذ تمتد رؤيته الجمالية إلى الطبيعة المحيطة به. فقد استطاع تحويل الأحجار والتكوينات الطبيعية التي يجمعها من بيئته إلى لوحات جدارية وأرضية، مستفيداً من الأشكال التي صنعتها الرياح وعوامل الزمن، ليمنحها بتأطيره الفني حياة جديدة. كما يوثق بعدسته الفوتوغرافية تفاصيل قريته وأزقتها وناسها ومشاهدها اليومية، مؤمناً بأن الجمال قد يكمن في زاوية صغيرة أو زهرة أو حجر، وأن الطبيعة تقدم للفنان حكايات لا تنتهي.
ومن أعماله أيضاً مساهماته في الدراسات والتصاميم المعمارية، ومنها تصميم جامع آل عمران في حمين، الذي ارتبط اسمه بجهوده في تصميمه وبنائه والإشراف عليه وتمويله، في صورة تعكس تلاقي اهتمامه بالفن والعمارة مع ارتباطه بمكانه وأهله.
*حضور ثقافي وروح محبة للفن
بعد عودته إلى طرطوس، لم ينكفئ حسن ديب على تجربته الخاصة، بل ظل حاضراً في مختلف النشاطات الثقافية والفنية، يتابع المعارض والملتقيات الأدبية ومعارض الأشغال اليدوية والتراثية، ويحرص على تشجيع الفنانين ودعمهم ومساندتهم. لذلك بات حضوره مألوفاً في الفعاليات الثقافية، بوصفه صديقاً للفنانين ومحباً لكل تجربة إبداعية جادة.
وقد حظي مؤخراً بتكريم من الملتقى الوطني، بمبادرة من الأديب نزار غانم، تقديراً لمسيرته الفنية والثقافية ولما قدمه من حضور وعطاء ومن المقرر أن تكرّمه مديرية ثقافة طرطوس هذا الأسبوع
إن تجربة الفنان حسن ديب ليست مجرد رحلة من قرية سورية صغيرة إلى فضاءات الفن الإيطالي، ثم عودة إلى المكان الأول؛ إنها حكاية إنسان حمل معه ثقافة العالم، لكنه لم يفقد انتماءه إلى أرضه وذاكرته. فاختار أن يجعل من منزله وصالته الفنية في حمين مساحة للجمال، ومن الطبيعة المحيطة به مصدراً دائماً للإلهام، ومن حضوره الثقافي رسالة محبة وتشجيع للآخرين.
إنه فنان يرى الجمال في التفاصيل، ويؤمن بأن الفن أسلوب حياة قبل أن يكون لوحة معلقة على جدار.
موقع”أخبار سوريا الوطن” يتمنى للفنان التشكيلي حسن ديب دوام الصحة والعافية، ومزيداً من العطاء والإبداع، ويحيي فيه هذه التجربة التي تستحق التقدير والاحتفاء واختياره ليكون شخصية الموقع لهذا الاسبوع

(أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن
