اعداد:هيثم يحيى محمد
في قرية بيت طيون، التابعة لمنطقة صافيتا في ريف طرطوس، تتجاوز تجربة الأديب غانم حبيب بو حمود حدود الكتابة الأدبية إلى مساحة أوسع، عنوانها نشر المعرفة وتشجيع القراءة وإتاحة الكتاب أمام أبناء المجتمع المحلي. فهو ليس شاعراً وقاصاً وروائياً فحسب، بل ناشر وصاحب مبادرة ثقافية تركت بصمتها في محيطه، من خلال تأسيس مكتبة أهلية في قريته، إلى جانب إدارته دار الغانم للثقافة والطباعة والنشر والتوزيع في صافيتا.
*من بيت طيون بدأت الحكاية
وُلد غانم بو حمود في قرية بيت طيون بمنطقة صافيتا في محافظة طرطوس، وحصل على دبلوم في الهندسة الميكانيكية من أكاديمية أنتونين زابوتيتسكي في جمهورية التشيك. لكنه اتجه، إلى جانب تحصيله العلمي، نحو الأدب، فكتب الشعر والقصة والرواية، شوأصبح عضواً في اتحاد الكتّاب العرب، ضمن جمعية الشعر.
وتكشف هذه المسيرة عن علاقة وثيقة بالمكان الذي انطلق منه؛ فبيت طيون ليست مجرد محطة في سيرته الشخصية، بل حاضرة أيضاً في جانب من مشروعه الثقافي، الذي سعى من خلاله إلى تقريب الكتاب من القراء، وعدم حصر النشاط الثقافي في المدن الكبرى.
*مكتبة أهلية..
من أبرز المحطات في تجربة بو حمود تأسيس مكتبة أهلية في قريته بيت طيون، تضم آلاف العناوين في شتى العلوم والآداب، في مبادرة تضع الكتاب في متناول المهتمين بالقراءة والمعرفة. وقد أورد اتحاد الكتّاب العرب هذه المبادرة ضمن سيرته المنشورة في دليل أعضائه.
وتكتسب هذه التجربة أهميتها من الفكرة التي تقوم عليها: أن الوصول إلى الكتاب لا ينبغي أن يكون مرتبطاً بالعيش في مدينة كبيرة أو بالقدرة على ارتياد المؤسسات الثقافية البعيدة، بل يمكن أن يبدأ من القرية نفسها، ومن مبادرة يؤمن صاحبها بقيمة القراءة وأثرها في حياة الأفراد والمجتمع.
وتبرز في هذه المبادرة أهمية المكتبات الأهلية بوصفها فضاءات للتعلم الذاتي، وتوسيع المدارك، وتشجيع الأجيال الجديدة على اكتشاف عوالم الأدب والفكر والعلوم. كما تمثل نموذجاً للعمل الثقافي المحلي الذي يمكن أن يسهم في تنشيط الحياة الثقافية في الريف.
*دار الغانم.. من الكتابة إلى صناعة الكتاب
لم يقتصر نشاط بو حمود على التأليف وإنشاء المكتبة، بل امتد إلى مجال النشر، من خلال تأسيس دار الغانم للثقافة والطباعة والنشر والتوزيع في مدينة صافيتا.
ويُدرج اتحاد الناشرين السوريين الدار ضمن دور النشر السورية، ويسجل غانم حبيب بو حمود صاحباً لترخيصها، بما يؤكد حضوره في مجال صناعة الكتاب، إلى جانب تجربته الإبداعية.
وتمنح هذه التجربة مسيرته بعداً إضافياً؛ فالناشر لا يكتفي بإنتاج نصه الخاص، بل يشارك في إيصال الكتب إلى القراء، وفي توفير مساحة لظهور أعمال أدبية وفكرية جديدة. ومن هنا يلتقي نشاطه في النشر مع مبادرته في المكتبة الأهلية عند هدف أوسع، هو تعزيز حضور الكتاب في الحياة اليومية.
كما تشير سيرته لدى اتحاد الكتّاب العرب إلى اهتمامه بإقامة معارض للكتاب في الريف منذ عام 2013، فضلاً عن تشجيع المواهب والمشاركة في المهرجانات السنوية الثقافية والعلمية والتراثية والمدرسية.
*تجربة أدبية متعددة الأجناس
على المستوى الإبداعي، تنوعت كتابات بو حمود بين الشعر والقصة والرواية، وهو تنوع يظهر في قائمة مؤلفاته المنشورة لدى اتحاد الكتّاب العرب.
ومن مجموعاته الشعرية: «سارقة الكرى»، و«قيامة الشجر»، و«قطرات عطشى»، و«فاكهة الرماد»، و«ذاكرة الحرير»، و«الكتابة على جرس الماء»، و«بكائيات فرس الليل»، و«حدائق العشق الحرام»، و«انطباعات شيخ القصب»، و«مقامات العطر المالح»، و«حدثتني المرايا».
وفي القصة، تضم قائمته «كهرمان» و«عرّاف الوقت الهارب» و «المطحنة» و «محار – مايشبه السيرة -»
وفي الرواية له:
«شامان» و«النكاف» و«حجر أسيوط» و«شمس براغ»
ولم يقتصر حضور شعره على اللغة العربية، إذ يشير ملفه لدى اتحاد الكتّاب العرب إلى ترجمة بعض قصائده إلى الصينية والتشيكية والإيطالية والإسبانية، وهو ما يفتح نافذة على وصول جانب من تجربته الشعرية إلى قراء بلغات أخرى.
*الثقافة فعل يومي لا مناسبة عابرة
تكمن خصوصية تجربة غانم بو حمود في اجتماع ثلاثة مسارات في شخص واحد: الكتابة الإبداعية، والنشر، والعمل الثقافي في الريف. فالأديب هنا لا يقف عند حدود إنتاج النص، وإنما يتجه أيضاً إلى توفير الكتاب وإيجاد منافذ لوصوله إلى القراء، وإلى تشجيع الأنشطة الثقافية خارج المراكز الحضرية.
ومن هذا المنظور، يمكن النظر إلى مكتبته الأهلية في بيت طيون بوصفها واحدة من أبرز المحطات الدالة على رؤيته لدور الثقافة في المجتمع؛ فالمكتبة ليست رفوفاً تضم الكتب فحسب، بل فرصة تتيح للقارئ أن يكتشف معرفة جديدة، وللشاب أن يقترب من الأدب، وللقرية أن تمتلك مساحة خاصة بها للحوار والتعلم.
ولا تحتاج المبادرات الثقافية دائماً إلى مؤسسات كبيرة كي تترك أثراً؛ فقد تبدأ بفكرة يؤمن بها شخص، ثم تتسع قيمتها كلما استفاد منها الآخرون. وتجربة بو حمود تقدم مثالاً على هذا المسار، من خلال الجمع بين التأليف وإدارة دار نشر وتأسيس مكتبة أهلية والعمل على إقامة معارض للكتاب في الريف.
في «شخصية الأسبوع»، يحضر غانم بو حمود بوصفه أديباً سورياً جمع بين شغف الكتابة والإيمان بأهمية إتاحة المعرفة، وجعل من بيت طيون نقطة انطلاق لمشروع ثقافي يتجاوز حدود القرية، حاملاً الكتاب من صفحات المؤلف إلى رفوف المكتبة، ومن رفوف المكتبة إلى أيدي القراء.







(موقع:أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن
