اعداد:أخبار سوريا الوطن
صدر عن مشروع «كلمة» في مركز أبو ظبي للغة العربية، عام 2024، كتاب الفيلسوف الروسي ليف شِستوف «دوستويفسكي ونيتشه: فلسفة المأساة»، بترجمة د.إبراهيم إستنبولي، ليقدم قراءة فلسفية ونقدية عميقة لاثنين من أبرز أعلام الثقافة العالمية: الروائي الروسي فيودور دوستويفسكي والفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه.
لا يكتفي الكتاب باستعراض أفكار هذين العملاقين، بل ينفذ إلى المناطق الأكثر تعقيداً في تجربتيهما، حيث تتقاطع أسئلة الحرية والإيمان والإلحاد والأخلاق والمعاناة، ويجد الإنسان نفسه في مواجهة حدود العقل ومسلّماته، وفي صراع دائم مع ذاته والعالم.
*مقدمة المترجم إبراهيم إستنبولي
يقول المترجم الدكتور ابراهيم استنبولي في المقدمة:
((كتاب الفيلسوف الروسي الفذ ليف شِستوف: “دوستويفسكي ونيتشه. فلسفة المأساة”. صدر في مشروع “كلمة” في مركز أبو ظبي للغة العربية. عام ٢٠٢٤
إنه كتابٌ عن عملاقين في الثقافة العالمية. عملاق الأدب فيودور دوستويفسكي. وعملاق الفلسفة فريدريك نيتشه… كلاهما كان وما زال أيقونة ثقافية وأدبية. وكلاهما يُعدّ معيارًا لثقافة الإنسان ولنوعية قراءاته.
لكن الناقد والفيلسوف ليف شِستوف يكشف لنا بعينه النقدية الثاقبة والخبيرة ما لن تراه عين القارئ العادي سواء في روايات دوستويفسكي التي تغوص في أعماق النفس البشرية، أو في أبحاث نيتشه الفلسفية حول الجمال والإلحاد والعدمية.
بعبارة أخرى، يقول المؤلف لنا أنه ثمة جوانب كثيرة نجهلها في الإبداع الروائي عند دوستويفسكي وفي اختراقات نيتشه في فلسفة الوجود والعدم والجمال.
وليف شِسْتوف ليس فيلسوفًا بالمعنى التقليديِّ للكلمة، وإنما هو فيلسوف بنفس ذلك المعنى الذي يُعدُّ فيه شكسبير ودوستويفسكي وغوته فلاسفة. إذ إنَّ أعماله بمجملها تقريبًا تمثِّل نزهاتٍ أدبية عميقة ومبتكَرة بصورةٍ فريدة في الأدب. لقد كرَّس شِسْتوف حياتَه بأكملِها في سبيلِ مهمةٍ صعبة – دراسة غير متحيِّزة للنُّظم الفلسفية عند الآخرين، ومن أجلِ محاربة الأفكار الرشيدة “في الفهم العقلاني”، بهدفِ التوصُّل إلى إدراكٍ عبقري لوظيفة الفلسفة بوصفها عِلمًا «أن تعلِّمنا العيشَ ونحن غير معروفين» …
أزعم أنّ هذا الكتاب هو أكثر مقاربة نقدية جرأة وبُعدًا عن التأثيرات العاطفية لأعمال كلٍّ من دوستويفسكي ونيتشه في المكتبة العربية، على الأقل. وأنا واثق من أن الكتاب سوف يكون مرجعًا للنقاد وللكتاب وللدارسين على حدّ سواء.
وأخيرًا، لا يسعني إلا أن أشكر جميع العاملين في مشروع “كلمة” الذين كان لتعاونهم دور أساسي في إنجاز هذا الكتاب على النحو الذي هو بين أيديك، أيها القارئ الكريم. ))
*دوستويفسكي ونيتشه: الإنسان في مواجهة المأساة
يتناول شِستوف تجربة دوستويفسكي الروائية بوصفها استكشافاً عميقاً للتناقضات النفسية والأخلاقية التي تحكم الإنسان؛ فالإنسان في رواياته ليس كائناً عقلانياً منسجماً مع ذاته، بل شخصية ممزقة بين الحرية والقيود، والرغبة والضمير، والإيمان والشك. وتكشف أعمال مثل «الجريمة والعقاب» و«الإخوة كارامازوف» عن صعوبة اختزال النفس البشرية في قواعد أخلاقية أو تفسيرات عقلية جاهزة.
وفي المقابل، يقرأ شِستوف فلسفة نيتشه من خلال تمرده على القيم الموروثة ومساءلته للمعتقدات الراسخة حول الحقيقة والأخلاق ومعنى الحياة. فالعدمية وأزمة القيم ليستا مجرد موضوعين نظريين، بل مدخلان لفهم مأزق الإنسان حين تتهاوى يقينياته ويصبح مطالباً بمواجهة الوجود وأسئلته الصعبة.
ولا يسعى شِستوف إلى دمج التجربتين في فلسفة واحدة، بل يكشف نقاط التقاطع والاختلاف بينهما، ويبحث في الكيفية التي دفعت بها الأزمات الفكرية والوجودية كلاً من دوستويفسكي ونيتشه إلى مساءلة المسلّمات السائدة.
*فلسفة المأساة وحدود العقل
تتمثل إحدى أبرز أفكار الكتاب في نقد الاعتقاد بأن العقل وحده قادر على تفسير الوجود وتقديم إجابات نهائية عن أسئلة الإنسان. فالمأساة، في قراءة شِستوف، ليست مجرد معاناة عابرة، بل تجربة تكشف هشاشة اليقين وتضع الإنسان أمام أسئلة قد تعجز القواعد المنطقية العامة عن حسمها.
ومن هنا تبرز أهمية المقاربة التي يقدمها شِستوف؛ إذ لا يمنح القارئ حلولاً جاهزة بقدر ما يدفعه إلى مراجعة أفكاره ومعتقداته، وإعادة النظر في العلاقة بين الحرية والمعرفة والإيمان والشك.
في المحصلة، يشكل الكتاب دعوة إلى قراءة مختلفة لدوستويفسكي ونيتشه، بعيداً عن الأحكام المسبقة والتفسيرات الاختزالية، وإلى اكتشاف الأبعاد الفلسفية العميقة في الأدب والفكر. وهو عمل يهم القراء والباحثين في الفلسفة والأدب، لما يثيره من أسئلة لا تزال حاضرة في عالمنا المعاصر حول معنى الحياة، وحدود العقل، وقدرة الإنسان على مواجهة المأساة دون الاحتماء بيقينيات جاهزة.

(أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن

