رغم توقف صادرات إيران البحرية الجديدة، لا تزال شحنات نفطها تُباع وتدرّ عائدات. كيف تتجاوز طهران الحصار الأميركي، وما دور «أسطول الظل» في هذه المعادلة؟
صفر برميل من النفط الإيراني يغادر الموانئ بحراً، وفق أحدث بيانات تتبع الناقلات، لكن إيران لا تزال تبيع شحنات نفطية وتحقق منها عائدات. فكيف يمكن أن تنجح أميركا في وقف الصادرات البحرية الإيرانية، من دون أن تتمكن من تجفيف جميع مصادرها المالية؟ وأين تمر الشحنات التي تصل إلى الأسواق رغم الحصار البحري؟
في 27 أيلول/سبتمبر، توقّع وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت نفاد شحنات النفط الإيراني المتاحة للبيع خلال أسبوعين. لكن بعد مرور 18 يوماً، لا تزال طهران تحقق عائدات من تسويق شحنات نفطية، رغم الحصار الأميركي والضغوط الاقتصادية المتصاعدة.
وفي مواجهة هذه الضغوط، اتخذت الحكومة الإيرانية إجراءات لاحتواء اضطرابات سوق الصرف، إذ أطلق البنك المركزي أواخر أيلول/سبتمبر برنامجاً لطرح ما يصل إلى ملياري دولار عبر المصارف الحكومية، في محاولة لدعم الريال والحد من تدهوره.
وفي موازاة ذلك، تتداول أوساط اقتصادية إيرانية معلومات غير رسمية عن تحصيل عائدات نفطية تجاوزت عشرة مليارات دولار خلال الأشهر الأخيرة، إلى جانب توافر مخزونات من السلع الأساسية تكفي لتلبية احتياجات البلاد حتى العام المقبل.
كيف يتجنب الاقتصاد الانهيار؟
يرفض محافظ البنك المركزي الإيراني عبد الناصر همتي ووزير الاقتصاد سيد علي مدني زاده التوقعات الأميركية بانهيار الاقتصاد، ويؤكدان قدرة البلاد على مواجهة الضغوط.
ويستند هذا الموقف إلى عوامل اقتصادية تراكمت خلال نحو عقدين من العقوبات، أبرزها تطوير شبكات تجارية ومالية بديلة، واكتساب الشركات الإيرانية خبرة في الالتفاف على القيود المفروضة على التعاملات الدولية وتأمين السلع الأساسية.
كذلك يمنح تنوع القاعدة الإنتاجية إيران قدرة نسبية على تحمل الصدمات، من الصناعات الثقيلة كالصلب والبتروكيماويات إلى المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، فضلاً عن الإنتاج الزراعي المحلي الذي يخفف الاعتماد على الاستيراد.
ويشكل امتلاك موارد واسعة من الطاقة عاملاً إضافياً في مواجهة الحصار، رغم الأضرار التي لحقت ببعض المنشآت خلال الحرب، ولا سيما في قطاع البتروكيماويات. وقد تمكنت منشآت إنتاجية من استعادة جزء من قدراتها التشغيلية خلال الأشهر الأخيرة.
وتبرز بورصة طهران أيضاً بين المؤشرات التي يستشهد بها المدافعون عن قدرة الاقتصاد على الصمود، في ظل المكاسب التي سجلتها سوق الأسهم خلال العام الحالي.
لكن هذه العوامل لا تلغي خطورة الوضع الاقتصادي. فقد بلغ التضخم السنوي 73.6% في أيلول/سبتمبر، وفق مركز الإحصاء الإيراني، فيما فقد الريال نحو 35% من قيمته مقابل الدولار منذ تموز/يوليو، بحسب بيانات أسعار الصرف.
وتعكس هذه المؤشرات استمرار الضغوط المعيشية وتراجع القدرة الشرائية، حتى مع عدم تحقق الانهيار السريع الذي توقعه بيسنت. ويظل تأمين العملات الأجنبية أحد التحديات الرئيسية أمام الحكومة الإيرانية.

أين يذهب النفط الإيراني؟
تكمن العقدة الأساسية في قدرة الولايات المتحدة على منع صادرات جديدة من مغادرة الموانئ الإيرانية، مقابل استمرار تسويق شحنات موجودة أصلاً خارج نطاق الحصار.
فبحسب بيانات شركة “فورتكسا” المتخصصة في تتبع حركة النفط، التي نشرتها “رويترز” في 13 تشرين الأول/أكتوبر، تراجعت الصادرات البحرية الجديدة للخام الإيراني إلى الصفر في الأسبوع الثاني من أيلول/سبتمبر، واستمرت عند هذا المستوى حتى الخامس من تشرين الأول/أكتوبر.
وتشير البيانات إلى وجود نحو 83 مليون برميل من النفط الإيراني على متن ناقلات، بينها 43 مليون برميل عالقة غرب مضيق هرمز بسبب الحصار الأميركي.
في المقابل، كشفت صحيفة “واشنطن بوست”، في تقرير نشرته في 9 تشرين الأول/أكتوبر، أن إيران تواصل بيع كميات من النفط سبق أن أخرجتها من موانئها خلال فترة التهدئة بين حزيران/يونيو وتموز/يوليو.
ونقلت الصحيفة عن محللين أن طهران تمكنت خلال تلك الفترة من شحن ما يزيد على 60 مليون برميل، وواصلت بيع جزء من هذه المخزونات لاحقاً، رغم عودة الحصار.
كذلك قدّرت شركة “كبلر” استمرار خروج نحو 250 ألف برميل يومياً من إيران عبر المسارات البرية، بعيداً من القيود المفروضة على الموانئ.
وتفسر هذه المعطيات جانباً من التناقض الظاهر بين نجاح واشنطن في وقف الصادرات البحرية الجديدة، واستمرار حصول طهران على بعض العائدات من مبيعات النفط.
وتتحدث معلومات متداولة في الأوساط البحرية عن استخدام بعض الناقلات مسارات معقدة قرب سواحل سلطنة عمان، تشمل إيقاف أنظمة التعريف الآلي ونقل الحمولات بين سفن مختلفة، قبل توجيهها إلى الأسواق الدولية.
وتشير روايات أخرى إلى عمليات نقل نفط بين السفن قبالة سواحل ماليزيا، حيث تُنقل شحنات إيرانية إلى ناقلات تتجه نحو مصافي الصين.
وتندرج هذه الأنشطة ضمن شبكات ما يُعرف بـ”أسطول الظل”، الذي يضم ناقلات تُستخدم لتسويق النفط الخاضع للعقوبات، وخصوصاً الإيراني والروسي، من خلال تغيير هويات السفن أو نقل الشحنات بين ناقلات متعددة لإخفاء مصدرها.
غير أن قدرة هذه الشبكات على الاستمرار تواجه تحديات متزايدة، أبرزها تشديد المراقبة البحرية والعقوبات المالية وارتفاع كلفة النقل والتأمين، إلى جانب المنافسة مع النفط الروسي في السوق الصينية.
وفي موازاة ذلك، استعادت صادرات دول الخليج الأخرى جانباً كبيراً من مستوياتها السابقة، إذ تجاوزت التدفقات النفطية من المنطقة، باستثناء إيران، 81% من مستويات ما قبل الحرب خلال أيلول/سبتمبر، مدفوعة بانتعاش الصادرات السعودية.
وتعكس هذه التطورات تفاوت تأثير الحصار على حركة النفط في المنطقة، في وقت لا تزال الهجمات على السفن والتوترات الأمنية في مضيق هرمز تهدد استقرار الإمدادات والأسواق العالمية.
ومن وجهة نظر طهران، يوفر استمرار بيع المخزونات النفطية وتأمين بعض الموارد المالية هامشاً للصمود، ويخفف الحاجة إلى التصعيد العسكري المباشر ضد الحصار. أما الإدارة الأميركية، فتراهن على أن استنزاف المخزونات وتشديد الرقابة على شبكات النقل والتمويل سيؤديان تدريجياً إلى تقليص قدرة إيران على المقاومة الاقتصادية.
وهكذا، فإن استمرار بيع النفط الإيراني لا ينفي فاعلية الحصار الأميركي، لكنه يكشف حدود نتائجه الفورية. ويبقى السؤال الأكثر حساسية بالنسبة إلى الطرفين مرتبطاً بالوقت الذي تستطيع فيه طهران مواصلة تحصيل العائدات من مخزوناتها وشبكاتها التجارية، قبل أن تتحول القيود البحرية إلى أزمة مالية أشد خطورة.
اخبار سورية الوطن 2_وكالات _النهار اللبنانية
syriahomenews أخبار سورية الوطن

