علي عبود
إذا كانت الحكومات الإفريقية المتعاقبة على دراية تامة بأن «الفساد يعيق التنمية في إفريقيا»، فهي كانت ولا تزال على دراية تامة أيضاً بأن الديون الخارجية لا تقل خطورة عن الفساد في إعاقة التنمية المستدامة!
وعندما تنحصر ثروات مناجم الذهب والماس والأراضي الزراعية المنتجة للتبغ والشاي والكاكاو، إلخ، بأيدي أفراد وشركات، وليس بأيدي الدول، مع انتشار واسع للفساد، فهذا يتناقض مع حصرية إدارة الدولة للثروات القومية، وبالتالي يُفسّر أسباب استمرار التخلف في القارة الإفريقية، واضطرار حكوماتها للاستدانة والاعتماد على الهبات، وعجزها عن مكافحة الفساد.
ومن الملفت والخطير أن تترك الحكومات المتعاقبة، منذ استقلال بلادها، الثروات القومية بأيدي قلة من الأفراد والشركات، بدلاً من أن تكون ملك الدولة تستثمرها لصالح شعوبها، وهذه حالة فريدة في العالم، وبالتالي ما من خطط قابلة للتنفيذ لإنقاذ هذه الدول من واقعها الراهن على المدى المنظور!
ولا نبالغ بالقول إن إفريقيا هي الأكثر فساداً في العالم، فحسب «مؤشر إدراك الفساد لعام 2024» الذي أعدته منظمة «ترانسبارانسي» الدولية الألمانية، وهي منظمة غير حكومية، فإن ستة بلدان إفريقية وردت في قائمة البلدان العشرة الأكثر فساداً في العالم!
صحيح أن ما من بلد يخلو من الفساد الكبير، بل إن أخطر مافيات الفساد متواجدة في أغنى وأقوى الدول، كأمريكا وروسيا والصين، إلخ، لكن هناك فارقاً كبيراً جداً بين الدول المتقدمة والنامية، وخاصة الفقيرة جداً، فالفساد مهما ضرب في الصين أو أمريكا، ومهما شفط من مليارات، فإن اقتصادها لا يتأثر، ويبقى يسجل معدلات نمو مرتفعة، لكن الدول الإفريقية لا تحتمل أي نوع من الفساد الذي يُعدّ الأكثر خطورة في العالم!
والأكثر خطورة أن الدراسة التي شملت 180 دولة، كان من بينها 54 دولة إفريقية، أي بنسبة 30%، ما يعني أن الحكومات الإفريقية مقصّرة جداً في مكافحة الفساد، إما بفعل عجزها أو لغياب آليات المحاسبة. ومع أن نتائج الدراسة الدولية يجب أن تكون دافعاً ومحفزاً لـ54 دولة إفريقية، على الأقل، لعقد مؤتمر إفريقي بحضور الأمم المتحدة، يُخصص لوضع خطة محكمة لتطويق الفساد ومحاربته في إفريقيا، لكن، مع الأسف، لم تهتم الحكومات الإفريقية بتقرير الفساد إلا إعلامياً.
ولا يمكن تصنيف الدول بين حدّين، أكثرها وأقلها فساداً، دون مقياس دقيق يُسمّى «مؤشر إدراك الفساد»، وهو مزيج من 13 دراسة ميدانية وتقييماً للفساد أجرتها مؤسسات مشهورة، ومنها: الرشوة، والقيود البيروقراطية المفرطة، واختلاس المال العام، والتعيينات على أساس المحسوبية بدلاً من الكفاءة، والحماية القانونية للمبلّغين عن حالات الفساد، إلخ!
ونستنتج من «مؤشر إدراك الفساد لعام 2024» أن الدول الإفريقية التي تصدرت قائمة الدول العشرة الأكثر فساداً في العالم تفتقر إلى الأنظمة والقوانين المرنة، وإلى الشفافية التي تمنع الرشوة واختلاس الأموال العامة، وتحول دون تعيين الأكفاء وأصحاب الخبرات في مواقع صنع القرار، بل إنها تُعاقب من يقوم بالتبليغ عن الفاسدين، وقد يتعرضون للخطر بسبب قيامهم بواجبهم الوطني والأخلاقي!
ووفقاً لهذا المؤشر، فإن خمس دول فقط من بين 54 دولة حصلت على درجة أعلى من 50/100، وهي: سيشيل (72/100)، والرأس الأخضر (62/100)، وبوتسوانا (57/100)، ورواندا (57/100)، وموريشيوس (51/100).
الخلاصة: لا يعني ذلك أن الأوضاع الاقتصادية في الدول الأقل فساداً في إفريقيا جيدة، فنسب الفساد فيها تُقدّر بالمليارات، وليس بعشرات الملايين، وهي ليست كالدول الغنية، وبالتالي فإن الفساد فيها، مهما كان متدنياً، يُنهك اقتصادها، ويزيد معدلات البطالة، ويحول دون تنفيذ خططها التنموية، بل ويُغرقها بالقروض والديون!
ويبقى السؤال الأساس: لماذا لا تُعدّل الحكومات الإفريقية قوانينها التي تشجع على ممارسة الفساد، وتزيد من حالات إفلات الفاسدين من العقاب؟
(أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن
