حسان كنجو
بين معامل تعود تدريجياً إلى الإنتاج وأسواق لا تزال تبحث عن دواء فعّال وسعر مقبول، يمر قطاع الصناعات الدوائية في سوريا بمرحلة تعافٍ معقدة تتقاطع فيها الاعتبارات الاقتصادية والصحية والمعيشية. فبعد سنوات من التضرر وخروج خطوط إنتاج عن الخدمة، بدأت منشآت دوائية في حلب ومحافظات أخرى استعادة نشاطها، مدفوعة بانفتاح نسبي على الاستثمار ومحاولات لإحياء هذا القطاع الحيوي، فيما يبقى هذا التعافي محل نقاش لدى مواطنين وصيادلة يربطونه بجودة الدواء وكلفته.
وفي سياق الأنشطة المتخصصة لإحياء هذا القطاع، استضافت حلب أمس الخميس المعرض السوري الأول للصناعات الدوائية، بمشاركة عدد من الشركات والمنشآت العاملة في الأدوية، وذلك برعاية نقابة صيادلة حلب ومحافظة حلب.
وقال المدير العام لشركة “سراج” للمعارض، وسيم ناشد، في حديث لصحيفة “الثورة السورية”، إن المعرض المقام في فندق شيراتون حلب يعد الأكبر على مستوى البلاد، نظراً لمشاركة معظم الشركات الدوائية الكبرى فيه.
وأوضح أن المعرض جمع شركات أدوية من مختلف المحافظات السورية، إضافة إلى مشاركات خارجية من الأردن وتركيا، مشيراً إلى أن إقامته في حلب أكسبته زخماً إضافياً، ولا سيما أن المحافظة تضم نحو 80 بالمئة من معامل الأدوية في سوريا، فضلاً عن مشاركة وفود من نقابات الصيادلة من مختلف المحافظات.
تعاف تدريجي
شهدت الصناعات الدوائية في سوريا خلال النصف الثاني من عام 2025 مرحلة من التعافي والانفتاح، مدعومة بإجراءات حكومية هدفت إلى تسهيل الاستثمار وتخفيف القيود المفروضة على القطاع، ما أسهم في توسيع نشاطه محلياً وفتح آفاق جديدة أمامه.
وفي هذا السياق، أكد عضو نقابة الصيادلة في حلب محمد قرابيني، لصحيفة “الثورة السورية”، أن التعافي بات سمة واضحة في قطاع الصناعات الدوائية، مشيراً إلى أن هذا القطاع أظهر قدرة أكبر على تجاوز العقبات مقارنة بقطاعات صناعية أخرى، ما يجعله في مقدمة الصناعات السورية، ولا سيما في حلب.
تخفيض الأسعار أولوية
تختلف نظرة المنتج أو المستثمر إلى مؤشرات التحسن عن نظرة المواطن الذي يقيسها بمدى انعكاسها على الأسعار وتكاليف المعيشة.
ويرى المواطن فؤاد كلاسي، أن أي حديث عن انتعاش أو تعافٍ يبقى في إطار التصريحات ما لم ينعكس على أرض الواقع، موضحاً أن المعيار الأهم بالنسبة للمواطن يتمثل في انخفاض أسعار الأدوية، ولا سيما الأدوية الأساسية مثل المضادات الحيوية والمسكنات ومستلزمات الأطفال.
وأضاف لصحيفة “الثورة السورية”: “الانتعاش الحقيقي بالنسبة للمواطن هو أن تنخفض أسعار الأدوية وتصبح في متناول الجميع، أما عودة خطوط الإنتاج وحدها فلا تكفي إذا لم ينعكس ذلك على حياة الناس اليومية”.
البديل الأجنبي وأزمة الفاعلية
في المقابل، يطرح بعض الصيادلة مقاربة مختلفة لمفهوم التعافي، معتبرين أن الانتعاش الحقيقي يتمثل في تعزيز قدرة الدواء الوطني على منافسة البدائل الأجنبية.
وقال صيادلة لصحيفة “الثورة السورية”، إن تحقيق هذا الهدف يتطلب الالتزام بمعايير تصنيع عالمية، ولا سيما في الأدوية المخصصة للأمراض المزمنة والحالات المعقدة.
وأوضح الصيدلي علاء زرزور، أن بعض الأطباء ما زالوا يفضلون وصف أدوية مستوردة في حالات معينة، بسبب ما يرونه قصوراً في فاعلية بعض الأصناف المحلية تجاه هذه الحالات، مضيفاً أن دعم الصناعة الوطنية يتطلب إنتاج أدوية قادرة على المنافسة من حيث الجودة والفاعلية، مع الاستفادة من ميزة انخفاض تكاليفها مقارنة بالأدوية المستوردة.
وفي تصريح سابق لصحيفة “الثورة السورية”، قال مدير الشؤون الصيدلانية في وزارة الصحة، الدكتور نزير العتقي، إن عدد معامل الأدوية العاملة حالياً في السوق المحلية يبلغ 84 معملاً، مضيفاً أن وزارة الصحة منحت تراخيص لـ12 معملاً جديداً بعد التحرير.
وأضاف أن السوق الدوائية تضم حالياً نحو 14,000 مستحضر دوائي محلي و1,600 مستحضر مستورد، موضحاً أن هذه المستحضرات تغطي حاجة أكثر من 80 بالمئة من احتياجات الأدوية المحلية، ونحو 10 بالمئة من الأدوية المستوردة.
ويرى الخبير الاقتصادي جمال الدين توتنجي، أن الصناعة الدوائية تعد من أبرز القطاعات القادرة على المساهمة في تحريك الاقتصاد السوري خلال فترة زمنية قصيرة، نظراً لما تمتلكه من قيمة مضافة مرتفعة وقدرة على التصدير.
وأوضح توتنجي لصحيفة “الثورة السورية”، أن هذا القطاع يحتل موقعاً متقدماً ضمن الصناعات الكيماوية، التي تشكل نسبة مهمة من القطاع الصناعي السوري، ما يمنحه دوراً مؤثراً في دعم النمو الاقتصادي وتعزيز القدرة التنافسية للصادرات الوطنية.
وأشار توتنجي إلى أن تذبذب سعر الصرف واستمرار بعض القيود المرتبطة باستيراد المواد الأولية يمثلان من أبرز التحديات التي تواجه الصناعات الدوائية حالياً، معتبراً أن توسيع فرص التصدير يعد من الخطوات الأساسية التي يمكن أن تسهم في معالجة هذه التحديات مستقبلاً.
اخبار سورية الوطن 2_الثورة السورية
syriahomenews أخبار سورية الوطن

