أسيمة حسن
لا أعرف لماذا كان بيتُ جدتي أجمل من بيتنا، مع أنه أصغر وأقدم. ربما لأن البحر كان يبدأ من عتبته. كانت النوافذ تُطلُّ على زرقةٍ لا تنتهي، ويملأ الملحُ الهواء حتى يخيّل إليك أن الجدران نفسها تتنفس الموج.
في غرفة خالي كانت المحركات القديمة، وشباك الصيد، وبوصلاتٌ صدئة، وقطعٌ بحريةٌ غريبة، كأنها متحفٌ صغيرٌ يحتفظ بأسرار البحر والريح. أما غرفة خالتي، فكانت عالماً آخر؛ أصدافٌ من كل الأحجام، ولوحاتٌ معلقة، وعطورٌ تعبق في المكان، حتى يبدو المساء فيها أكثر أناقةً من الغروب.
وكانت غرفة جدتي وطنًا قائمًا بذاته. تفتح خزانتها فتجد التين المجفف، واللوز، وحلوى البحر، وعلبًا صغيرةً تخبئها بين الثياب، كأنها تدخر الفرح للأيام القادمة. وكانت رائحتها مزيجًا من الياسمين، وماء الورد، ونسيم الساحل.
كانت تبدأ يومها مع الفجر، تطهو السمك والمحشي، وتدور بين المطبخ والبيت ساعاتٍ طويلة، ثم تخرج إلينا بثوبٍ نظيف، وعطرٍ جديد، وابتسامةٍ هادئة، كأن التعب لم يعرف طريقه إلى يديها.
وعند العصر، كنا نجلس في الشرفة. يمر الصيادون، وتعود النوارس إلى الميناء، فيما كانت جدتي توزع الفاكهة والضحكات، وتحيّي الجيران دون أن تغادر كرسيها. يومها، كنت أظن أن العالم كله يشبه ذلك البيت.
كبرت… وعرفت أن كثيرين فقدوا بيوتًا كانت تشبه بيت جدتي. حملتهم الحروب إلى منافٍ بعيدة، فصاروا أرقامًا في سجلات اللجوء، بينما بقيت أوطانهم معلقةً في رائحة قهوة، أو صوت موج، أو بابٍ خشبي لم يعد يُفتح، أو نافذةٍ ما زالت تنتظر أصحابها.
عندها أدركت أن الوطن ليس جدرانًا وسقفًا فحسب، بل تلك التفاصيل الصغيرة التي تحفظ طفولتنا من الضياع، وتمنح ذاكرتنا سببًا لتقاوم النسيان. فالأوطان تبدأ أحيانًا من رائحة خبز، أو من شجرة ياسمين، أو من يد جدةٍ تعرف كيف تجعل البيت أوسع من العالم.
ولذلك، كلما اشتقت إلى جدتي، لم أتذكر البيت وحده، بل دعوت أن يعود لكل طفل في هذا العالم بيتٌ يشبه قلب جدته؛ دافئًا، آمنًا عامرًا بالمحبة… ووطنٌ لا يخاف أن يكبر فيه
(موقع:أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن

