آخر الأخبار
الرئيسية » الأخبار المحلية » “الطبقة”.. مدينة بُناة الفرات ودرس سوري في بناء السلم الأهلي

“الطبقة”.. مدينة بُناة الفرات ودرس سوري في بناء السلم الأهلي

 

 

بقلم:المهندس ياسر علي أسعد

 

حين كانت سوريا تضع اللمسات الأخيرة على مشروع سد الفرات في أواخر ستينيات القرن الماضي، لم تكن تبني سداً لتوليد الكهرباء وتخزين المياه فحسب، بل كانت، من دون أن تقصد ربما، تبني تجربة اجتماعية تستحق أن تُقرأ اليوم من جديد: مدينة الطبقة.

 

لم تنشأ الطبقة بالطريقة التي نشأت بها معظم المدن السورية؛ حول سوق قديم، أو حي عائلي، أو رابطة عشائرية، بل نشأت من رحم مشروع وطني كبير. واستقبلت آلاف العمال والمهندسين والفنيين والإداريين الذين قدموا من مناطق سورية مختلفة، وجمعتهم ورشة واحدة وهدف واحد: ترويض نهر الفرات وتحويل مياهه إلى طاقة وريّ وحياة.

 

ما جمع هؤلاء السوريين كان أقوى من روابط الدم والنسب والمنطقة والطائفة: العمل المشترك. وهنا تكمن أهمية تجربة الطبقة بالنسبة إلى سوريا اليوم؛ فالتعايش الذي عرفته المدينة لم يكن مجرد شعار سياسي، ولم يكن نتيجة خطاب طويل عن الوحدة الوطنية، بل كان نتيجة عملية وبسيطة وعميقة في آن واحد: أن يعمل السوريون معاً، وأن يعيشوا معاً، وأن ينجزوا شيئاً يحتاجون إليه جميعاً.

 

لم يكن السؤال الأول عن أصل العامل، أو طائفته، أو منطقته، بل كان السؤال: ماذا يستطيع أن يفعل؟ ولم يكن النجاح فردياً، بل جماعياً.

 

السلم الأهلي لا يُبنى بالشعارات

 

أهم درس يمكن استخلاصه من الطبقة هو أن السلم الأهلي ليس حالة تلقائية تستمر إلى الأبد، ولا فضيلة اجتماعية يكفي أن ندعو إليها كي تتحقق، بل هو بناء مستمر يقوم على المؤسسات والعمل والتعليم والعدالة والمصالح المشتركة، وعلى مشاريع تجعل السوري يشعر بأن نجاح الآخر ليس تهديداً له، بل جزءاً من نجاحه هو.

 

هذا الدرس بالغ الأهمية في سوريا الحرة الخارجة من سنوات طويلة من الحرب والتهجير والانقسام. فالمجتمع الذي تعرض لكل هذا القدر من العنف والاستقطاب لا يمكن أن يستعيد تماسكه بمجرد رفع شعارات الأخوة والوحدة، بل يحتاج إلى أن يعيش هذه الوحدة في حياته اليومية.

 

فحين يعمل المهندس إلى جانب الفني والعامل القادم من محافظة أخرى، وحين يجلس أبناء مناطق وخلفيات مختلفة في مدرسة واحدة، وحين تتجاور العائلات في أحياء لا تُرسم حدودها على أساس الهوية، تبدأ الصور النمطية عن الآخر بالتراجع، ويحل مكانها شيء أكثر قوة: المعرفة المباشرة، والثقة، والمصلحة المشتركة.

 

تجربة تستحق القراءة لا الأسطرة

 

ليس من الحكمة أن ننظر إلى الطبقة بوصفها المدينة الفاضلة، أو أن نستعيد تجربتها بحنين رومانسي إلى ماضٍ جميل ثم نتجاهل أسباب تراجع ذلك التعايش. فالدرس الحقيقي لا يكمن فقط في نجاح التجربة، وإنما في هشاشتها أيضاً.

 

لقد أثبتت السنوات اللاحقة أن التعايش، مهما بدا مستقراً، يمكن أن يتصدع عندما ينهار الإطار السياسي والاجتماعي والمؤسسي الذي يحميه، وعندما تصبح الهويات الفرعية ملاذاً في مواجهة الخوف وانعدام الثقة.

 

وهنا يصبح الدرس أكثر وضوحاً: المجتمع المتنوع يحتاج إلى صيانة مستمرة، تماماً كما يحتاج السد إلى الصيانة.

 

فالسد الذي يُترك بلا مراقبة يتصدع، والمجتمع الذي يُترك بلا عدالة ومؤسسات وفرص متكافئة يتفكك. لذلك لا ينبغي لسوريا الحرة أن تبحث عن تعايش مؤقت، بل عن نظام اجتماعي ومؤسسي يجعل التعايش أكثر قوة من الانقسام.

 

إعادة الإعمار.. فرصة لإعادة بناء الإنسان

 

سوريا اليوم أمام فرصة تاريخية لتحويل إعادة الإعمار من إعادة بناء الحجر إلى إعادة بناء الإنسان والثقة أيضاً.

 

فمشاريع البنية التحتية والطاقة والزراعة والصناعة والمياه والنقل يجب أن تُصمم بحيث تجمع السوريين في ورش وطنية مشتركة. ويمكن لمشاريع إعادة تأهيل السدود وشبكات الري والكهرباء والطرق والمدارس والمستشفيات في مختلف المحافظات أن تكون ورشاً وطنية يتشارك فيها المهندس والفني والعامل والمزارع ورجل الأعمال، لتصبح فرصة لإعادة اكتشاف السوريين بعضهم بعضاً.

 

لقد أحب السوريون تاريخياً العمل والعطاء عندما كان الهدف واضحاً، وعندما شعروا أن جهدهم يصب في مصلحة مجتمعهم. ولذلك فإن أحد أهم مفاتيح السلم الأهلي قد لا يكون في المؤتمرات والخطابات، بل في خلق فرص العمل التي تجمع السوريين حول أهداف مشتركة.

 

فالإنسان الذي يعمل مع شخص من منطقة أخرى، ويتقاسم معه ساعات التعب وفرحة الإنجاز، سيكون أقل استعداداً للنظر إليه باعتباره خصماً أو غريباً.

 

العمران أيضاً يصنع العلاقات

 

ينبغي ألا تتحول إعادة الإعمار إلى إعادة إنتاج للتجمعات المغلقة على أساس طائفي أو مناطقي. فالتخطيط العمراني ليس مسألة إسمنت وطرق ومبانٍ فقط؛ إنه أيضاً صناعة للعلاقات الاجتماعية.

 

الأحياء الجديدة يجب أن تكون فضاءات للتعارف والاندماج، إذا اقترنت بالسكن وفرص العمل والمدارس والخدمات العامة، وإذا صُممت بحيث تمنع العزلة الاجتماعية بدلاً من تكريسها.

 

وهذا لا يعني إلغاء الخصوصيات المحلية أو الثقافية، بل يعني منع تحويل هذه الخصوصيات إلى جدران تفصل السوريين عن بعضهم.

 

ذاكرة الطبقة.. جزء من الذاكرة الوطنية

 

من المهم أيضاً ألا تضيع ذاكرة هذه التجربة. فشهادات المهندسين والعمال والفنيين الذين شاركوا في بناء السد ليست مجرد ذكريات شخصية، بل هي جزء من الذاكرة الاجتماعية والوطنية لسوريا.

 

وبعد افتتاح السد، انتقل قسم من أبناء الطبقة والعاملين فيها إلى مواقع قيادية في الوزارات والإدارات على امتداد البلاد، بما يعكس الأثر الذي تركه هذا المشروع في تكوين النخب والخبرات السورية.

 

ومن هنا تبرز أهمية تحويل الطبقة إلى متحف حي للذاكرة الوطنية، يوثق قصة بناء السد، ويجمع شهادات الذين شاركوا في المشروع، ويحفظ الصور والوثائق والخرائط التي تحكي كيف اجتمع السوريون حول مشروع واحد.

 

المطلوب ألا تتحول هذه الذاكرة إلى أسطورة عن ماضٍ مثالي، بل إلى تجربة حقيقية تبعث على الفخر، وتقدم درساً للمستقبل.

 

لا تنمية بلا عدالة

 

التنمية ليست منفصلة عن السلم الأهلي. فالفقر والبطالة والتهميش يمكن أن تكون وقوداً للانقسام، بينما العمل والإنتاج والمصلحة المشتركة هي من أسس الاستقرار.

 

لكن كل ذلك يحتاج إلى شرط لا يمكن تجاهله: العدالة.

 

لا يمكن مطالبة السوريين بالتعايش إذا شعر بعضهم بأن حقوقه أقل من حقوق غيره، أو أن فرصه مرتبطة بهويته، أو أن الضحايا لا مكان لهم في الذاكرة الوطنية.

 

العدالة ليست انتقاماً، وليست عائقاً أمام المصالحة، بل هي أحد شروط العدالة الانتقالية والمصالحة المستدامة.

 

وإذا كانت تجربة الطبقة تعلمنا أن العمل المشترك يستطيع أن يجمع الناس، فإن تجربة السنوات الماضية تعلمنا أن العمل المشترك وحده لا يكفي. لا بد من مؤسسات تحمي الحقوق، وقواعد عادلة لتوزيع الفرص والموارد، وقانون يُطبق على الجميع، وذاكرة وطنية لا تستثني أحداً.

 

أن نتعلم من أنفسنا

 

سوريا لا تحتاج إلى استيراد نموذج للتعايش من الخارج؛ ففي تاريخها القريب تجربة حقيقية تثبت أن أبناءها ومكوناتها المختلفة استطاعوا أن يقفوا جنباً إلى جنب، وأن يعملوا معاً، وأن يبنوا مشروعاً بقي شاهداً على قدرتهم الجماعية لأكثر من نصف قرن.

 

لقد علّمتنا الطبقة أن السوريين قادرون على بناء ما يبدو مستحيلاً عندما يجمعهم هدف واحد.

 

وإذا كان السوريون قد استطاعوا في ستينيات القرن الماضي أن يبنوا سد الفرات، فإن جيلنا يستطيع اليوم أن يبني دولة عادلة، ومجتمعاً متصالحاً، واقتصاداً منتجاً، ومستقبلاً يتسع للجميع.

 

علينا فقط أن نتعلم من أنفسنا، وأن نعيد اكتشاف ما أثبته السوريون عندما يجمعهم العمل والعطاء والمصلحة المشتركة.

 

سوريا، قبل أن تبحث عن نموذج للتعايش في مكان آخر، تستحق أن تتعلم من تاريخها.

 

والطبقة، مدينة بناة الفرات، تنتظر أن تستعيد دورها مرة أخرى؛ ليس فقط في إنتاج الطاقة والمياه، بل في إنتاج الثقة، وفي تذكير السوريين بأن الوطن الذي نبنيه معاً هو وطن يستطيع أن يعيش فيه الجميع معاً

 

(موقع:اخبار سوريا الوطن)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

الشيباني: سوريا تبدأ غداً مرحلة جديدة للتخلص من إرث السلاح الكيميائي

أكد وزير الخارجية والمغتربين أسعد حسن الشيباني أن سوريا تبدأ غداً مرحلة جديدة ‏في التعامل مع إرث السلاح الكيميائي، بعد مباشرة الإجراءات التقنية والفنية اللازمة ...