أسيمة حسن
بعد كل ما مرّت به سوريا، ربما لم يعد كافيًا أن نتحدث عن إعادة بناء البيوت والطرقات والجسور. هناك شيء آخر تهدّم بصمت، في أماكن لا تصل إليها الجرافات؛ شيء في داخل الإنسان، في قدرته على الثقة، وعلى الغفران، وعلى أن يرى في الآخر إنسانًا يشبهه.
سنوات الحرب جعلتنا أكثر حذرًا، وأشد قسوة أحيانًا. علّمت بعضنا أن يخفي خوفه خلف صوت مرتفع، وأن يحتمي بالغضب حين يشعر بالعجز، وأن يعتبر التراجع ضعفًا، والاعتذار انكسارًا.
لكننا خرجنا من الحرب، ولا ينبغي أن نخرج منها ونحن نحمل أساليبها في قلوبنا.
ربما آن لنا أن نتعلم لغة أخرى.
لغة تقول: أخطأت.
لغة تقول: سامحني.
لغة لا تجعل الاعتذار هزيمة، ولا ترى في الاعتراف بالخطأ انتقاصًا من الكرامة.
فكم من جرح كان يمكن أن يلتئم بكلمة، وكم من علاقة كان يمكن أن تبقى لو أن أحد الطرفين امتلك شجاعة أن يضع كبرياءه جانبًا ويقول: «لم أقصد أن أؤذيك، لكنني آذيتك… وأنا آسف».
نحن نحتاج إلى هذه الثقافة في بيوتنا قبل أي مكان آخر.
أن يعتذر الأب لابنه حين يظلمه، لا أن يقول: «أنا أبوك ولا أخطئ».
أن تعتذر الأم حين تقسو، والزوج حين يجرح، والصديق حين يخذل.
أن يتعلم الطفل منذ صغره أن الاعتذار لا يصغّر الإنسان، بل يكبّره.
نحتاج أن نربي أبناءنا على أن القوة ليست في أن تنتصر في كل نقاش، ولا في أن تكون آخر من يتكلم، ولا في أن تجعل الآخرين يخافون منك.
القوة أحيانًا أن تستطيع أن تقول، وأنت قادر على المكابرة:
«كنت مخطئًا.»
ولعل سوريا التي أنهكتها سنوات الحرب تحتاج، أكثر من أي وقت مضى، إلى هذا النوع من القوة؛ قوة تعيد للإنسان مكانته في الإنسان.
لا يمكن أن نبني وطنًا جديدًا بالعقلية نفسها التي أنهكت الوطن.
فالوطن ليس حجرًا وإسمنتًا وحدودًا على الخريطة فقط.
الوطن هو الطريقة التي ننظر بها إلى بعضنا، والطريقة التي نختلف بها، ونغفر بها، ونعتذر بها، ونمنح بها بعضنا فرصة أخرى.
وحين نعيد بناء الإنسان من الداخل، يصبح ترميم ما تهدّم حوله أكثر معنى.
يقول الله تعالى:
﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾.
وليس معنى الصفح أن ننسى، ولا أن ننكر الألم، ولا أن نتنازل عن الحق. لكنه يعني ألا نسمح للألم أن يتحول إلى لغة نعيش بها بقية أعمارنا.
ربما تكون الخطوة الأولى نحو سوريا أكثر دفئًا وإنسانية، بسيطة جدًا:
أن نخفض أصواتنا قليلًا.
أن نسمع بعضنا أكثر.
أن نترك للغفران مكانًا.
وأن نتعلم، دون خجل، أن نقول لمن أخطأنا بحقه:
سامحني.
فقد نكون خسرنا كثيرًا في السنوات الماضية، لكن ليس علينا أن نخسر إنسانيتنا أيضًا.
آن لنا أن نخرج من الحرب لا بذاكرة الألم فقط، بل بقدرة أكبر على الرحمة.
آن لنا أن نعيد بناء سوريا… إنسانًا أولًا، ثم حجرًا.
(موقع:أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن

