اخبار سوريا الوطن: أسرة التحرير
دعا رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف، خلال زيارة إلى بغداد بدأها اليوم الأربعاء وتستمر ثلاثة أيام، إلى تعزيز ما وصفه بـ«النظام الجديد» في المنطقة وتسريع التعاون بين دولها، في ظل تصاعد الضغوط على العراق بشأن مستقبل الفصائل المسلحة القريبة من طهران ودور البلاد في التوتر الإقليمي المتصاعد.
وقال قاليباف، في مستهل زيارته، إن الهدف من وجوده في العراق هو «تقوية النظام الجديد في المنطقة وتسريع وتيرة التعاون بين جميع دول المنطقة، من دون تدخل أجنبي».
وتأتي الزيارة في توقيت بالغ الحساسية بالنسبة للعراق، الذي يحاول الحفاظ على توازن دقيق في علاقاته مع إيران والولايات المتحدة، بينما تضغط واشنطن على بغداد من أجل حصر السلاح بيد الدولة وإنهاء نشاط الفصائل المسلحة المرتبطة بما يعرف بـ«محور المقاومة».
قاليباف عند موقع اغتيال سليماني والمهندس
وفي محطة حملت دلالة سياسية واضحة، زار قاليباف اليوم الموقع الذي قُتل فيه قائد «فيلق القدس» الإيراني قاسم سليماني ونائب رئيس هيئة الحشد الشعبي العراقي أبو مهدي المهندس في غارة أميركية عام 2020.قرب مطار بغداد
وأظهرت مشاهد نشرتها رويترز قاليباف في الموقع الذي شهد عملية الاغتيال، في خطوة تأتي في بداية زيارته للعراق وتسلط الضوء على رمزية العلاقة بين طهران وفصائل عراقية حليفة لها.
وكان سليماني والمهندس قد قُتلا في ضربة نفذتها طائرة أميركية مسيّرة قرب مطار بغداد في يناير/كانون الثاني 2020، ما أدى إلى تصعيد حاد آنذاك بين واشنطن وطهران، وجعل موقع العملية أحد أبرز رموز النفوذ الإيراني في العراق.
«المقاومة» ركيزة قوة العراق
وقال قاليباف إن «المقاومة في العراق هي إحدى ركائز قوة هذا البلد»، في إشارة واضحة إلى الفصائل المسلحة العراقية التي ترتبط بدرجات متفاوتة بإيران.
ومن المقرر أن يجري رئيس البرلمان الإيراني محادثات مع مسؤولين عراقيين وقادة سياسيين، في مقدمتهم رئيس الوزراء، إلى جانب لقاءات مع قوى سياسية شيعية ضمن «الإطار التنسيقي».
وتحمل هذه اللقاءات أهمية خاصة في ظل النقاش المتصاعد حول مستقبل سلاح الفصائل المسلحة، ومدى قدرة الحكومة العراقية على فرض احتكار الدولة للسلاح من دون الدخول في مواجهة داخلية مع القوى السياسية والعسكرية التي تتمتع بنفوذ واسع.
العراق بين واشنطن وطهران
وتأتي زيارة قاليباف في وقت يواجه فيه العراق ضغوطًا متزايدة للحفاظ على توازن علاقاته مع الولايات المتحدة وإيران.
فالعراق، منذ الغزو الأميركي عام 2003، تحول إلى إحدى الساحات الرئيسية للتنافس بين القوتين، فيما تعاظم النفوذ الإيراني داخل مؤسسات الدولة والسياسة العراقية، بالتوازي مع بقاء الوجود والتأثير الأميركيين، ولا سيما في المجال الأمني والعسكري.
وقد ازدادت حساسية هذا التوازن مع اتساع رقعة الحرب الإقليمية، بعدما تعرضت مصالح أميركية في العراق لهجمات من فصائل مسلحة، وردت واشنطن بضربات على مواقع مرتبطة بها.
كما شهد إقليم كردستان العراق تطورات أمنية مرتبطة بالصراع مع إيران؛ إذ قالت السلطات الكردية إن طائرات مسيّرة استهدفت في 17 أغسطس/آب مكتب رئيس حكومة إقليم كردستان، وإن الهجوم انطلق من الأراضي الإيرانية، من دون تسجيل خسائر بشرية.
بغداد تريد حماية مصالحها
وتزامنت زيارة قاليباف مع تحرك عراقي للتعامل مع تداعيات أزمة مضيق هرمز.
وفي تطور نشرته رويترز اليوم الأربعاء، دعا رئيس البرلمان العراقي هيبت الحلبوسي إيران إلى منح صادرات النفط العراقية عبر مضيق هرمز «خصوصية»، خلال محادثات مع مسؤولين إيرانيين، في ظل الاضطراب المستمر في حركة الملاحة عبر المضيق.
وتكشف هذه الخطوة حجم المأزق العراقي؛ فالعراق يعتمد بصورة كبيرة على صادرات النفط، وأي استمرار في تعطيل حركة الملاحة عبر هرمز يضع صادراته وإيراداته المالية أمام مخاطر كبيرة.
وبالتالي، فإن بغداد تجد نفسها مطالبة من جهة بالحفاظ على علاقاتها مع طهران، ومن جهة أخرى بضمان استمرار تدفق صادراتها النفطية وحماية مصالحها الاقتصادية، وهي مصالح تتأثر مباشرة بأي تصعيد في الخليج.
زيارة في ظل تغير إقليمي واسع
ولا يمكن فصل زيارة قاليباف عن التحولات التي شهدتها المنطقة خلال الأشهر الأخيرة.
فطهران تواجه ضغوطًا عسكرية وسياسية واقتصادية كبيرة، فيما تحاول الحفاظ على شبكة حلفائها الإقليميين، ومن بينهم فصائل عراقية مسلحة لعبت دورًا بارزًا في الاستراتيجية الإيرانية خلال السنوات الماضية.
وفي المقابل، تسعى الولايات المتحدة إلى إعادة ترتيب الوجود العسكري والأمني في المنطقة، والضغط على حلفاء إيران من أجل تقليص قدرتهم على العمل خارج مؤسسات الدولة.
ومن هنا تكتسب عبارة قاليباف حول «النظام الجديد في المنطقة» أهمية خاصة؛ فهي تأتي في وقت تعاد فيه صياغة موازين القوى الإقليمية، بينما تحاول إيران تثبيت نفوذها وشبكة تحالفاتها في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل.
محطة كربلاء والنجف
ومن المقرر أن يتوجه قاليباف، الخميس، إلى مدينة كربلاء، حيث يشارك في مراسم إحياء ذكرى أربعينية تشييع المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي، قبل أن يختتم زيارته للعراق الجمعة في مدينة النجف.
وتمنح مشاركة رئيس البرلمان الإيراني في مراسم دينية في كربلاء وزيارته للنجف بعدًا آخر للزيارة، يتجاوز العلاقات الحكومية المباشرة إلى الروابط الدينية والسياسية والاجتماعية العميقة بين البلدين.
رسائل متعددة الاتجاهات
وتحمل زيارة قاليباف، في توقيتها ومحطاتها، رسائل متعددة.
فزيارة موقع اغتيال سليماني والمهندس تعيد التأكيد على رمزية «المقاومة» في الخطاب الإيراني، بينما دعوته إلى عدم وجود «تدخل أجنبي» تمثل رسالة واضحة إلى الولايات المتحدة.
أما حديثه عن «النظام الجديد» والتعاون الإقليمي، فيعكس محاولة طهران تقديم نفسها باعتبارها طرفًا رئيسيًا في صياغة ترتيبات المنطقة المقبلة.
وفي المقابل، يجد العراق نفسه أمام اختبار أكثر تعقيدًا: كيف يحافظ على علاقته الاستراتيجية مع إيران، من دون أن يخسر علاقته بالولايات المتحدة، وكيف يضمن في الوقت نفسه أن تبقى أراضيه ومؤسساته خارج دائرة الصراع الإقليمي؟
ومع استمرار التوتر حول مضيق هرمز، وتزايد الضغوط على الفصائل المسلحة، تبدو زيارة قاليباف إلى بغداد أبعد من كونها زيارة برلمانية أو دبلوماسية؛ فهي تأتي في لحظة تحاول فيها إيران إعادة تثبيت حضورها في العراق، فيما تحاول بغداد رسم مساحة أوسع من الاستقلال في قرارها الأمني والسياسي

(أخبار سوريا الوطن-وكالات)
syriahomenews أخبار سورية الوطن

