عبد اللطيف عباس شعبان
من المجمع عليه علميًا وطبّيًا أن للتدخين أضرارًا كثيرة وخطيرة، وأن المدخّن يسير في طريق محفوف بالمخاطر قد تودي به في نهاية المطاف إلى الهلاك. ومقولة “لا أحد يموت في غير يومه” لا ينبغي أن تكون ذريعة للاستهانة بأسباب الهلاك، وقد قال الله تعالى: “وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ”(البقرة: 195).
تشير الدراسات العلمية إلى أن دخان السجائر يحتوي على آلاف المركبات الكيميائية، ويُعرف من بينها عدد كبير من المواد السامة والمسرطنة. ومن هذه المواد الزرنيخ، الذي يُستخدم في بعض مبيدات القوارض، والأمونيا التي تدخل في صناعات ومواد التنظيف، وأول أكسيد الكربون الذي يؤثر سلبًا في قدرة الدم على نقل الأكسجين. كما تحتوي منتجات التبغ، بمختلف أنواعها، على النيكوتين، وهو مادة شديدة الإدمان.
ويؤدي التدخين إلى أضرار بالغة في الرئتين والجهازين التنفسي والدوراني، ويرتبط بزيادة خطر الإصابة بالعديد من الأمراض، وفي مقدمتها أمراض القلب والأوعية الدموية والسرطانات وأمراض الجهاز التنفسي المزمنة. كما أن تدخين الأركيلة (الشيشة) ليس بديلًا آمنًا عن السجائر، إذ قد يتعرض المدخّن خلالها لكميات كبيرة من الدخان والمواد السامة، خصوصًا بسبب طول جلسة التدخين.
وتكمن خطورة التدخين أيضًا في أن كثيرًا من أضراره لا تظهر بصورة مباشرة، بل تتراكم على مدى سنوات. كما أن أضراره لا تقتصر على المدخّن نفسه، وإنما تمتد إلى المحيطين به من خلال ما يُعرف بالتدخين السلبي، حيث يتعرض غير المدخنين للدخان المنبعث من منتجات التبغ. وقد يؤدي ذلك إلى آثار صحية فورية وأخرى بعيدة المدى، فضلًا عن زيادة مخاطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية وبعض أنواع السرطان.
وتشير بيانات منظمة الصحة العالمية إلى أن التبغ يتسبب في وفاة أكثر من ثمانية ملايين شخص سنويًا حول العالم، بينهم نحو 1.3 مليون من غير المدخنين الذين يتعرضون لدخان التبغ غير المباشر.
التدخين في سورية.. تشريعات متكررة وتنفيذ متعثر
التدخين في سورية ظاهرة قديمة ومتجذرة، ومخاطرها الصحية والاجتماعية والاقتصادية ملموسة ومشكوٌ منها على نطاق واسع. وقد صدرت خلال العقود الماضية العديد من التعليمات والقرارات الإدارية، استنادًا إلى التشريعات النافذة، بهدف الحد من التدخين في الإدارات العامة ووسائل النقل والأماكن المغلقة، وإلزام المدخنين بالتدخين في أماكن محددة.
ومن بين هذه الإجراءات كتاب وزارة الصحة رقم 10922/1/4 لعام 1996، وتعميم وزارة الإدارة المحلية بتاريخ 6/7/2000، المتضمن منع بيع جميع أنواع الدخان لمن هم دون سن الثامنة عشرة وفرض غرامات على المخالفين. وقد شهد الالتزام بهذه الإجراءات تحسنًا جزئيًا لفترة قصيرة، وبصورة ملحوظة في بعض وسائل النقل، إلا أن ذلك لم يستمر بالمستوى المطلوب.
وفي مرحلة لاحقة صدر المرسوم التشريعي رقم 59 بتاريخ 6/9/2004، القاضي بموافقة الجمهورية العربية السورية على اتفاقية منظمة الصحة العالمية الإطارية بشأن مكافحة التبغ، إضافة إلى كتاب وزارة الصحة رقم 13817/8/1/3/20 بتاريخ 25/7/2005.
وفي عام 2007 صدرت عن دار الإفتاء فتوى تؤكد تحريم التدخين بمختلف أنواعه، بما في ذلك الأركيلة أو الشيشة، وتحريم بيع منتجات التبغ وشرائها وتأجير المحلات لمن يبيعها، باعتبار أن التدخين، وفق ما ورد في الفتوى، من الأفعال المحرمة لما يترتب عليه من أضرار.
وبتاريخ 5/3/2009 صدر عن رئيس مجلس الوزراء الكتاب رقم 1831/1، الذي قضى بفرض ضبوط وغرامات بحق المخالفين لقرارات منع التدخين. كما جرى إصدار وتوزيع مطبوعات تحدد قيمة الغرامة ونوع المخالفة بحسب مكان ارتكابها، واستيفاء الغرامات المتعلقة بمخالفات التدخين من قبل عناصر الشرطة ضمن كل وحدة إدارية، وتكليف عامل في كل دائرة بتنظيم الضبوط بحق من يدخنون خارج الأماكن المحددة.
لكن عدد الضبوط المنظمة بقي محدودًا جدًا، ولم تحقق الإجراءات النتائج المرجوة، لأسباب متعددة، من أبرزها ضعف المتابعة والرقابة وعدم الالتزام الجاد من بعض المسؤولين والجهات المعنية. وهكذا بقيت التعليمات والقرارات حبرًا على ورق، ولم تتحول إلى ممارسة ميدانية مستدامة.
بل إن السنوات الأخيرة شهدت انتشارًا واسعًا لمنتجات التبغ المستوردة أو المهربة بمختلف أنواعها، إلى جانب الانتشار المتزايد للأركيلة ومستلزماتها، وازدياد أعداد تجار التبغ والأركيلة، بالجملة والمفرق، مع ارتفاع ملحوظ في الأسعار، لم يمنع، رغم ذلك، استمرار الإقبال الكبير على التدخين.
*اهتمام حكومي متجدد
ومن دواعي السرور أن مكافحة التدخين باتت تحظى باهتمام أكبر من السلطات الحالية، إذ أعلنت وزارة الصحة السورية، قبل أيام، نتائج المسح الوطني للتدخين الذي نفذته على عينة ممثلة من الأسر السورية في جميع المحافظات، وذلك خلال ورشة عمل أُقيمت بحضور ممثلين عن وزارات الأوقاف والثقافة والداخلية والعدل والمالية والاقتصاد والصناعة والشؤون الاجتماعية والعمل والزراعة.
وتهدف هذه الجهود إلى وضع خطوات عملية لتطبيق الاستراتيجية الوطنية لمكافحة التدخين، من خلال حشد الخبرات من وزارة الصحة ومنظمة الصحة العالمية ومختلف الوزارات والجهات المعنية، وتحديد الإجراءات العملية اللازمة والتشريعات والقوانين المطلوبة، فضلًا عن تحديد أدوار الجهات الحكومية والمجتمعية والمنظمات غير الحكومية في هذا المجال.
ومن شأن هذه الخطوات أن تسهم في نقل سورية إلى مرحلة أكثر جدية في التعامل مع ظاهرة التدخين، ووضع مكافحة التبغ ضمن أولويات السياسات الصحية والاجتماعية. وقد أوضح معاون وزير الصحة أن التدخين قضية اقتصادية واجتماعية وتنموية، تمتد آثارها إلى المدخّن وأسرته ومحيطه، وأن التعامل معها يحتاج إلى استجابة وطنية متكاملة تجمع بين التشريع والرقابة والوقاية والتوعية والخدمات الصحية والبيانات والبحث العلمي والتدخل المجتمعي.
كما أشار إلى أن الهيئة الوطنية لمكافحة التدخين تشكل إطارًا مهمًا لتنسيق جهود مختلف الجهات والقطاعات المعنية بهذه القضية.
*تجربة عالمية وأمل محلي
التدخين ظاهرة منتشرة في مختلف دول العالم، وقد بذلت منظمة الصحة العالمية جهودًا متواصلة للحد منها، وحققت بعض الدول تقدمًا ملحوظًا في خفض معدلات التدخين، من خلال تشديد التشريعات ومنع الإعلان والترويج لمنتجات التبغ، وتقييد التدخين في الأماكن العامة، ورفع مستوى التوعية بمخاطره.
وتُعد أستراليا من الدول التي اتخذت إجراءات صارمة للحد من التدخين، من بينها القيود الواسعة على الترويج والإعلان عن منتجات التبغ، وتطبيق سياسات للحد من التدخين في الأماكن العامة، إلى جانب التحذيرات الصحية والتغليف الموحد لمنتجات التبغ. وقد أعلنت أستراليا هدفًا يتمثل في الوصول إلى مجتمع خالٍ من التدخين إلى حد كبير خلال السنوات المقبلة.
والأمل معقود على أن تكون التشريعات الجديدة المرتقبة والإجراءات المرافقة لها بشأن مكافحة التدخين قيد التطبيق الميداني الجاد والفاعل والمثمر في بلدنا الحبيب، وأن تترافق مع رقابة حقيقية وتوعية مستمرة وخدمات تساعد المدخنين على الإقلاع عن هذه العادة.
فالمطلوب اليوم ليس المزيد من التشريعات والقرارات فحسب، وإنما ضمان تنفيذها ومتابعتها وتقييم نتائجها، حتى لا تبقى حبرًا على ورق كسابقاتها، ولتتمكن سورية من الحد من مخاطر التدخين وحماية صحة أجيالها الحالية والقادمة.
الكاتب:عضو جمعية العلوم الاقتصادية – عضو اتحاد الصحفيين
(موقع:اخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن
