بقلم: المهندس محمود محمد صقر
ليست كلُّ مشكلةٍ نتيجةَ قرارٍ خاطئ.
أحيانًا تكون القرارات صحيحةً، كلٌّ في مجاله، ثم تأتي النتيجة خاطئةً؛ لأن أحدًا لم يرَ الصورة كاملة.
وقد أعاد إلى ذهني هذا المعنى مقالٌ للزميلة الدكتورة المهندسة بتول عيسى عن مستوى المعيشة في سوريا.
فالفوارق بين الغني والفقير ليست ابنة عصرنا، ولم تعرف حضارةٌ مجتمعًا بلا تفاوت. لذلك لا يبدو السؤال الأعمق: لماذا يوجد غني وفقير؟
بل:
متى يتحول الفارق بينهما إلى خلل؟
يبدأ الخلل حين لا يعود الفرق فرقًا في الثروة فقط، بل فرقًا في الفرصة.
حين يعمل الإنسان ويتعلم، ثم لا يرى طريقًا معقولًا للصعود.
وحين يفتح النفوذ بابًا تعجز الكفاءة عن فتحه.
فالمشكلة ليست في وجود قمة وقاعدة، بل في أن يتحول السلم بينهما إلى جدار.
وهنا تبدأ مسؤولية المؤسسة.
ليس عليها أن تجعل الناس متساوين في الثروة، بل أن تجعل القانون واحدًا، والمنافسة عادلة، والفرصة ممكنة، والسقوط بسبب البطالة أو المرض أو الجفاف أو التحولات الاقتصادية غير نهائي.
وقد تعلمت من خبرتي الهندسية والإدارية والفنية والتنظيمية أن الخلل نفسه يظهر في العمران.
فالبيت الواحد لا يبدو مشكلة.
والبناء الثاني كذلك.
لكن حين نسمح للمدن والقرى أن تتمدد بلا رؤية، ثم نرسل وراءها الماء والكهرباء والصرف والاتصالات والطرق والمدارس، نكتشف بعد سنوات أن كل قرار منفرد كان قابلًا للتبرير، بينما صنع مجموع القرارات واقعًا بالغ الكلفة.
لم تكن المشكلة أننا لا نعرف كيف نبني.
نحن نعرف كيف نبني الطريق، ونمد الشبكات، ونصمم الخدمات.
المشكلة في السؤال الذي يسبق البناء:
أين نبني؟ ولماذا؟ وماذا سيترتب على ما نبنيه؟
فالمتخصص يحل المشكلة التي توضع أمامه.
أما الحكمة فتسأل:
كيف نمنع صناعة المشكلة التي سيُطلب من المتخصص حلها غدًا؟
وهنا، في رأيي، يبدأ الجواب عن السؤال الآخر الذي طرحته الدكتورة بتول:
أي استثمار نريد لسوريا؟
فالاستثمار الذي نحتاجه ليس مجرد رأس مال يبحث عن مكان، ولا مشروعًا نقيس نجاحه بحجم ما أُنفق عليه أو بما يحققه صاحبه من ربح.
الاستثمار جزء من خطة تنمية.
نسأل قبل أن يأتي: أين نضعه؟ ولماذا هناك؟ ماذا يملك المكان من ماء وطاقة وطرق ويد عاملة؟ ماذا يحتاج من سكن ونقل وخدمات؟ وما النشاطات التي سيولدها حوله؟
فالمصنع لا ينبغي أن يكون بناءً داخل سور، بل عقدةً تحرك حولها إنتاجًا وخدماتٍ وفرصًا ومعرفة.
والمشروع السياحي لا يكون ناجحًا لأنه امتلأ بالزوار فقط، بل حين ينعكس على المكان الذي يحتضنه، ويحرك النقل والحرف والزراعة والخدمات، ويحافظ على موارده.
والتجمع السكني لا يكون ناجحًا بعدد الشقق التي شُيدت، بل بقدرته على أن يصبح مكانًا صالحًا للحياة.
هكذا لا نضع الاستثمار أولًا ثم نبحث له عن الماء والطريق والسكن والعمل.
بل نعرف ماذا نريد من المكان، ثم نختار الاستثمار الذي يخدم تلك الرؤية.
فالاستثمار الناجح لا يحتل مكانًا في الخطة؛ بل يؤدي وظيفةً فيها.
وهنا يظهر أن العمران والاقتصاد والتنمية ليست ملفات منفصلة.
قد يكون المصنع ناجحًا، والطريق ناجحًا، والسد ناجحًا، والمشروع السكني ناجحًا، كلٌّ بحساباته الخاصة، ثم تكون المحصلة أقل نجاحًا؛ لأن أحدًا لم يحسب علاقة الجزء بالكل.
وهنا تظهر المشكلة المؤسسية الحقيقية:
الدولة تقسم الواقع إلى وزارات كي تستطيع إدارته، لكن المواطن لا يعيش داخل وزارة.
التعليم يراه خريجًا.
والعمل يراه باحثًا عن فرصة.
والزراعة تراه ابن ريف.
والإسكان يراه طالب سكن.
والاقتصاد يراه رقمًا في النمو.
لكنه يعيشها كلها حياةً واحدة.
لذلك لا يكفي أن تكون القرارات صحيحة في اختصاصاتها، بل يجب أن تجتمع قبل أن تتحول إلى واقع.
فالتخطيط ليس أن تجمع الوزارات خططها في مجلد واحد، بل أن ترى ما بين الخطط من علاقات.
والحكمة ليست أن تعرف الدولة المستقبل كله؛ فهذا مستحيل.
الحكمة أن ترى من المستقبل ما تستطيع معرفته اليوم، ثم تملك من الشجاعة والمؤسسات ما يسمح لها بتصحيح ما لم تعرفه.
فأخطر الفشل الإداري والفني ليس دائمًا القرار الخاطئ.
قد يكون قرارًا صحيحًا جزئيًا… لم يجده أحد في مكانه الصحيح داخل الصورة.
ولهذا فالحكمة في القرار ليست أن نحسب كلفة ما سنفعله فقط، بل أن نحسب كلفة ما سيترتب عليه.
وقد تؤجل الإدارة ثمن الخطأ سنوات.
لكنها لا تلغيه.
فالمدينة تبقى، والطريق يبقى، والشبكات تبقى، والمواطن يعيش النتيجة.
وكل قرار لا يحسب ما سيأتي بعده، لا ينقل المشكلة إلى المستقبل فقط… بل يرسل إليه الفاتورة أيضًا.
(موقع: أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن

