آخر الأخبار
الرئيسية » كلمة حرة » حين تدق أجراس السيدة العذراء… يتجدّد الأمل

حين تدق أجراس السيدة العذراء… يتجدّد الأمل

 

أسيمة حسن

 

كان المساء هادئًا في إحدى القرى السورية.

 

كانت البيوت تستعد للعيد، ورائحة القهوة تتسلل من النوافذ، فيما كانت أجراس الكنيسة تدق من بعيد، كأنها توقظ في ذاكرة المكان شيئًا قديمًا وجميلًا.

 

جلس رجل مسنّ أمام باب منزله، يتأمل المارة، وبجانبه حفيدته الصغيرة.

 

سألته:

 

— جدي، لماذا يبدو الناس فرحين اليوم؟

 

ابتسم، ونظر نحو الكنيسة، وقال:

 

— إنه عيد السيدة العذراء يا ابنتي.

 

سكت قليلًا، ثم أضاف:

 

— لكن هذا العيد ليس للكنيسة وحدها… إنه عيد لكل من يحب سوريا.

 

لم تفهم الطفلة تمامًا ما أراد جدها قوله، فتابع:

 

— انظري حولك… ستجدين سوريين من كل المناطق والطوائف، يهنئون بعضهم بعضًا، ويشاركون في الفرح. قد نختلف في أشياء كثيرة، لكننا حين نلتقي على المحبة، نتذكر أننا أبناء وطن واحد.

 

رفعت الطفلة عينيها إليه وسألته:

 

— وهل تستطيع المحبة أن تغيّر شيئًا؟

 

ابتسم الجد وقال:

 

— المحبة هي الشيء الوحيد الذي يستطيع أن يعيد بناء ما هدمه الألم.

 

في تلك اللحظة، ارتفع صوت الأجراس من جديد.

 

بدا الصوت وكأنه يأتي من زمن بعيد… من سوريا التي عرفها السوريون قبل أن تتعبها السنوات؛ سوريا التي كانت أبواب بيوتها مفتوحة، وأعيادها تجمع الناس، وفرحها لا يسأل أحدًا عن طائفته أو منطقته.

 

نظر الرجل إلى السماء وقال بصوت خافت:

 

“يا مريم… كم نحن بحاجة اليوم إلى الرجاء الذي تحملينه.”

 

فالعذراء مريم، في عيد انتقالها، لا تحضر في الذاكرة كصورة دينية فحسب، بل كرمز للإيمان الذي لا يهزمه الألم، وللإنسان الذي يستطيع أن يعبر المحن دون أن يفقد النور في داخله.

 

لقد عرفت مريم الحزن، ووقفت أمام الألم، لكنها لم تفقد رجاءها.

 

وهنا تكمن الرسالة التي يحتاجها السوريون اليوم أكثر من أي وقت مضى:

 

أن ما مررنا به ليس نهاية الحكاية.

 

ففي كل عيد للسيدة العذراء، يعود السوريون، بمختلف أطيافهم ومناطقهم، إلى صورة جميلة من صور العيش المشترك. يتبادلون التهاني، ويشاركون الأفراح، وتعود المحبة لتذكّرهم بأن الوطن أكبر من الخلاف، وأن الإنسان أقرب إلى أخيه مما توحي به سنوات الانقسام.

 

قالت الطفلة لجدها:

 

— يعني سوريا يمكن أن تعود كما كانت؟

 

أمسك يدها وقال:

 

— بل يمكن أن تصبح أفضل… إذا تذكرنا أن الوطن لا يحيا إلا بأبنائه، وأن اختلافنا لا يجب أن يكون سببًا للابتعاد، بل فرصة لنتعرف إلى بعضنا أكثر.

 

ثم نظر إلى الشمعة المضيئة أمامه وأضاف:

 

— الوطن الذي ما زال أبناؤه قادرين على أن يفرحوا معًا، ويصلّوا معًا، ويحبوا بعضهم رغم كل شيء… وطن كهذا لا ينكسر.

 

كان الليل قد بدأ يهبط، لكن ضوء الشمعة بقي واضحًا.

 

ربما كان ضوءًا صغيرًا، لكنه يشبه الأمل تمامًا… لا يحتاج إلى أن يكون كبيرًا كي يبدد العتمة.

 

وفي عيد السيدة العذراء، لعل أجمل ما يمكن أن نحمله معنا ليس فقط التهاني، بل رجاء جديد بسوريا؛ أن نؤمن بأنها قادرة على أن تتعافى، وأن تجمع أبناءها، وأن تنهض من تعبها، وأن تفتح صفحة جديدة عنوانها المحبة والسلام والعيش المشترك.

 

فالبلدان قد تتعب، وقد تنحني أمام العواصف، لكنها لا تموت ما دام في قلوب أبنائها من يؤمن بها.

 

وكما عبرت مريم من الألم إلى المجد، نرجو أن تعبر سوريا من جراحها إلى غدها… أكثر قوة، وأكثر محبة، وأكثر حياة.

 

وفي آخر المساء، عاد صوت الأجراس مرة أخرى.

 

ابتسم الجد لحفيدته وقال:

 

— اسمعي جيدًا…

 

— ماذا؟

 

قال:

 

“إنها لا تدق للعيد فقط…

 

إنها تدق لتقول لنا إن الأمل ما زال هنا.

 

(موقع:أخبار سوريا الوطن)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حين يضيق المكان بأحلام الصغار

أسيمة حسن     كان يعود من المدرسة قبل أن تفرغ الشمس آخر ما في جعبتها من ذهب. يضع الكيس الذي يحمل فيه كتبه عند ...