د. سلمان ريا
هل نريد الأشياء لأننا اخترناها فعلاً، أم لأننا تعلمنا، بطريقة ما، أن نريدها؟ قد يبدو السؤال أقرب إلى التأمل الفلسفي منه إلى تفاصيل الحياة اليومية، لكنه يلامس جانباً أساسياً من علاقتنا بالعالم: كيف تتشكل رغباتنا، ومن يؤثر في الطريقة التي نرى بها الأشياء ونحكم عليها؟
نميل إلى الاعتقاد بأن رغباتنا تنبع من داخلنا، وأن أفكارنا ومواقفنا هي حصيلة تجاربنا وقناعاتنا الشخصية. لكننا ننسى أحياناً أن ما نراه كل يوم، وما نسمعه باستمرار، وما يعتبره المجتمع نجاحاً أو فشلاً، يشارك في تشكيل ما نطمح إليه وما نخاف منه. فنحن لا نختار من فراغ، بل من داخل بيئة تضع أمامنا صوراً ومعايير وتوقعات، قبل أن نبدأ نحن في الاختيار.
هنا يكمن جوهر صناعة الرغبات: ليس أن يُفرض عليك ما تريد، بل أن تتشكل تدريجياً البيئة التي تحدد ما الذي يمكن أن تريده، وما الذي يبدو لك جديراً بالرغبة أصلاً.
تظهر هذه العملية في تفاصيل الحياة العادية. تتكرر صورة معينة للنجاح حتى تصبح معياراً نقيس به حياتنا، ويُربط امتلاك أشياء محددة بالمكانة الاجتماعية، وتُقدَّم أنماط بعينها من الحياة باعتبارها النموذج الذي يستحق السعي. ومع الوقت، قد تتحول هذه المعايير إلى رغبات شخصية نشعر بأنها نابعة منا وحدنا، رغم أن البيئة المحيطة أسهمت في تشكيلها.
وفي السياسة، تصبح المسألة أكثر أهمية. فالتأثير لا يتعلق فقط بإقناع الناس ببرنامج أو موقف، بل أيضاً بالطريقة التي يفهمون بها المشكلات التي تواجههم. من يحدد القضية التي تستحق الاهتمام، والمفردات التي تُوصف بها، والمخاوف التي ترتبط بها، يشارك في تحديد الإطار الذي تتشكل داخله الأحكام. فالناس لا يختلفون دائماً على الوقائع وحدها، بل على المعنى الذي يمنحونه لها، وعلى ما يرونه سبباً للمشكلة أو طريقاً للخروج منها.
ثم جاءت وسائل التواصل الاجتماعي لتضيف بُعداً جديداً إلى هذه العملية. فالمنصات تتعلم من سلوك المستخدمين، وتستنتج ما قد يجذب انتباههم، ثم ترتب المحتوى وفق أنظمة توصية تختلف من شخص إلى آخر. وهكذا لا يعود الأمر مقتصراً على الرسائل التي تصل إلينا، بل يشمل أيضاً الرسائل التي لا نراها، والموضوعات التي تتكرر أمامنا، وتلك التي تختفي من مجال انتباهنا.
المشكلة أن ما يجذب الانتباه ليس بالضرورة ما يساعدنا على الفهم. قد ينتشر المحتوى المثير للغضب أسرع من التحليل المتأني، وقد يبدو رأي ما واسع الانتشار لأننا نراه باستمرار، لا لأنه يحظى فعلاً بتأييد معظم الناس. ومع التكرار، يمكن أن تتغير تقديراتنا لما هو مهم وشائع ومقبول، من دون أن نلاحظ كيف حدث ذلك.
لكن هذا لا يعني أن الإنسان مجرد كائن تحركه الخوارزميات أو تصنعه الدعاية. فالناس يمتلكون القدرة على التفكير والرفض ومراجعة مواقفهم. غير أن ممارسة هذه القدرة تصبح أكثر صعوبة عندما لا نعرف كيف رُتبت المعلومات أمامنا، أو عندما تختلط الحقائق بالانفعالات، وتُقدَّم المصالح الخاصة في صورة اختيارات شخصية بحتة.
لذلك، لا يكفي أن نسأل: هل نحن أحرار في الاختيار؟ بل ينبغي أن نسأل أيضاً: ما الظروف التي يتشكل فيها اختيارنا؟ ومن يملك القدرة على التأثير في هذه الظروف؟ ولأي غاية؟
ربما لا نستطيع أن نعيش خارج التأثير، لكننا نستطيع أن نصبح أكثر وعياً به. أن نتوقف أمام رغباتنا، لا لنشكك فيها جميعاً، بل لنفهم مصادرها. وأن نميز بين ما نؤمن به بعد التفكير، وما اعتدنا رؤيته حتى أصبح يبدو بديهياً.
فالحرية لا تبدأ فقط عندما نختار، بل تبدأ أيضاً عندما نستطيع أن نفهم كيف تشكّلت الخيارات التي أصبحت أمامنا. وفي عالم يتنافس فيه كثيرون على انتباهنا ومواقفنا ورغباتنا، قد يكون السؤال الأهم ليس فقط ماذا نريد، بل كيف أصبح ما نريده مرغوباً إلى هذا الحد؟
(موقع: أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن

