على الورق، دخل وقف النار بين إسرائيل وحركة “حماس” في غزة عامه الأول تقريباً. لكن على أرض الواقع، رسّخت إسرائيل سيطرتها على أجزاء من القطاع ووسّعتها، فيما يقول قادتها إنهم لا يعتزمون الانسحاب في المدى القريب.
وأظهرت القوات الإسرائيلية تحصينات لمواقعها، وبنت ما لا يقل عن 12 موقعاً عسكرياً، وتقدمت أكثر داخل القطاع متجاوزة خط الانسحاب الذي اتفق عليه الطرفان، وفق تحليل لصور الأقمار الاصطناعية أجرته صحيفة “نيويورك تايمز”.
ويقول محللون وديبلوماسيون وأشخاص في غزة إن التحركات الإسرائيلية منذ وقف النار تبدو كأنها ترسّخ التقسيم الذي كان يفترض أن يكون موقتاً للقطاع، بين منطقة خاضعة لسيطرة إسرائيلية موسعة وأخرى أصغر تحكمها “حماس”. وتعيش الغالبية العظمى من سكان غزة، البالغ عددهم نحو مليوني شخص، في المنطقة الأصغر.
كيف توسعت السيطرة الإسرائيلية بعد وقف النار؟
وضع وقف النار، الذي دخل حيز التنفيذ في تشرين الأول/أكتوبر 2025، نحو نصف القطاع تحت السيطرة الإسرائيلية. لكن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قال في أيار/مايو إن الجيش الإسرائيلي يسيطر على نحو 60 في المئة من القطاع، وإنه يعتزم السيطرة على مزيد منه.
ولا يزال بإمكان إسرائيل الانسحاب من غزة إذا مضى وقف النار قدماً. لكن التقدم في الخطوات التالية للهدنة يبدو متعثراً. وفي تموز/يوليو، قال مسؤولون أميركيون إنهم توصلوا إلى اتفاق مع “حماس” لتسليم أسلحتها، لكن نتنياهو رفض الخطة، وقال إنه لن ينسحب من دون “نزع سلاح حقيقي” للجماعة الفلسطينية المسلحة.
وقال الجيش الإسرائيلي في بيان إنه “ينشئ قواعد في غزة بما يتماشى مع مفهومه الدفاعي واحتياجاته العملياتية واتفاق وقف النار”، مضيفاً أن هذه القواعد تهدف إلى حماية القوات الإسرائيلية وكذلك البلدات القريبة داخل إسرائيل.
بعد وقف النار، انسحبت القوات الإسرائيلية إلى ما يُعرف بـ”الخط الأصفر”، المتفق عليه، ما منحها السيطرة على 53 في المئة من مساحة غزة. لكن القوات واصلت تدريجاً الاستيلاء على مزيد من الأراضي، ونقلت في بعض الأحيان الكتل الخرسانية التي تحدد الخط إلى مسافات أبعد داخل القطاع.
ما قصة “الخط الأصفر” و”المنطقة البرتقالية”؟
أنشأت إسرائيل أيضاً “منطقة برتقالية” يحظر الوصول إليها أو يقيّد، ويُطلب من الفلسطينيين ومنظمات الإغاثة فيها تنسيق تحركاتهم مع الجيش الإسرائيلي. كما أقامت حواجز ترابية كبيرة جديدة، يمتد بعضها إلى مسافة تقارب ميلاً خلف الخط الأصفر.
وبُنيت ستة مواقع عسكرية جديدة في هذه المنطقة بعد وقف النار، عدد كبير منها فوق أنقاض منازل وقرى.
وعلى الجانب الإسرائيلي من الخط الأصفر، أصبحت أجزاء كبيرة من غزة شبه خالية من السكان. وقد هدمت القوات الإسرائيلية آلاف المباني هناك منذ بدء الهدنة، جزئياً في إطار محاولاتها تدمير شبكة الأنفاق التابعة لـ”حماس” تحت الأرض.
وتكدست الغالبية العظمى من الفلسطينيين في منطقة ساحلية صغيرة تديرها “حماس”. ولا يعيش سوى بضعة آلاف في المنطقة الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية، معظمهم مرتبطون بجماعات مسلحة مدعومة ومحمية من القوات الإسرائيلية.
وأظهرت صور الأقمار الاصطناعية مواقع عسكرية إسرائيلية جديدة على طول محيط الخط الأصفر، مع طرق معبّدة حديثاً ومنشآت عسكرية في أماكن كانت تشغلها أنقاض مبانٍ قبل وقف النار.
كيف يؤثر توسّع الخطوط العسكرية على سكان غزة؟
مع تقدم خط الانسحاب أكثر داخل القطاع، اضطر سكان غزة إلى التكدس في مساحة أصغر، حيث تعاني المساكن أصلاً نقصاً حاداً بعد عامين من الحرب المدمرة. ووفق الأمم المتحدة، دُمّر نحو 80 في المئة من المساكن في غزة أو لحقت بها أضرار.
وقالت تانيا هاري، المديرة التنفيذية لمنظمة “غيشا” الإسرائيلية لحقوق الإنسان، إن “غالبية الأراضي الزراعية في غزة تقع أيضاً على الجانب الآخر من الخط الأصفر، وأصبحت الآن غير متاحة للمزارعين”.
وتعرض أشخاص اقتربوا من الخطوط، حتى عن طريق الخطأ، لإطلاق النار من القوات الإسرائيلية. ويقول الجيش الإسرائيلي إن “حماس” أرسلت مسلحين لاستكشاف الخطوط، ما دفع الجنود إلى إطلاق النار. لكن بعد مقتل عدد من المدنيين في الأيام الأولى للهدنة، وضعت القوات الإسرائيلية كتلاً صفراء لتحديد بداية منطقة الخطر.
ومنذ ذلك الحين، جرى تحريك هذه الكتل مع تقدم القوات الإسرائيلية أكثر داخل غزة.
وتعقّد الوضع أكثر بسبب المنطقة البرتقالية الواقعة خلف الخط الأصفر. ويتعين على المنظمات الإنسانية والسكان تنسيق تحركاتهم مع إسرائيل قبل عبورها، فيما لا يزال بعض الفلسطينيين يعيش فيها رغم المخاطر.
كما تواصل القوات الإسرائيلية تفجير مبانٍ في هذه المنطقة رغم الهدنة. وأظهرت صور الأقمار الاصطناعية تسوية أكثر من 100 مبنى بالأرض جنوب مدينة دير البلح وسط القطاع بين أواخر آب/أغسطس وأوائل أيلول/سبتمبر. وقال الجيش الإسرائيلي إن عمليات الهدم جاءت في إطار عمليات لـ”إحباط التهديدات وتحديد البنية التحتية العسكرية وتفكيكها”.
كم عدد الفلسطينيين الذين قُتلوا قرب الخط الأصفر؟
قُتل ما لا يقل عن 196 فلسطينياً، بينهم 18 امرأة و43 طفلاً، قرب الخط الأصفر منذ وقف النار، وفق مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان. ويصدر الجيش الإسرائيلي بانتظام بيانات يقول فيها إن قواته أطلقت النار على مسلحين ينشطون قرب الخط، لكن عدداً من الذين قتلوا كانوا مدنيين، وفق التقرير.
ويعكس ترسيخ المنطقة الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية وتوسيعها عقيدة إسرائيلية أمنية جديدة، تقوم على إنشاء مناطق عازلة في الأراضي المجاورة لمنع وقوع هجمات مفاجئة. وفي المقابل، يأمل سياسيون إسرائيليون من اليمين أيضاً في إقامة مستوطنات إسرائيلية في غزة مستقبلاً، على غرار المستوطنات في الضفة الغربية المحتلة.
وقال مسؤولون إسرائيليون، بينهم نتنياهو، إن المناطق العازلة تهدف إلى منع تكرار هجوم مثل هجوم 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023.
أخبار سوريا الوطن١-وكالات-النهار
syriahomenews أخبار سورية الوطن

