يفتح تراجع النفوذ الإيراني وتصاعد المواجهة بين السعودية والحوثيين فرصاً أمام تركيا لتوسيع دورها الإقليمي، من إعادة بناء الجيش السوري إلى تعزيز الشراكات الدفاعية الخليجية. ويضاف إلى ذلك مكسب جديد في المتوسط، بعد مصادقة مجلس النواب الليبي على الاتفاق البحري مع أنقرة، متراجعاً عن رفضه السابق.
وتختلف احتياجات شركاء تركيا وحساباتهم. إذ تحاول دمشق الموازنة بين الدعم العسكري التركي والتمويل السعودي لإعادة الإعمار، بينما ترى الرياض في أنقرة شريكاً إضافياً إلى جانب واشنطن، ومصدراً للسلاح والخبرة الصناعية. وتبعاً لأولويات كل طرف، تتفاوت فرص تركيا في تحويل هذه الشراكات إلى نفوذ دائم.
وتناقش “النهار”، استناداً إلى إفادات خاصة من ثلاثة خبراء، قدرة أنقرة على تحويل التعاون العسكري إلى نفوذ دائم، والعوامل التي تقيّد طموحات أردوغان، من حدود القدرات العسكرية وتحفظات الشركاء، إلى مخاوف تركيا من أن يؤدي إضعاف طهران إلى تحولات تهدد أمنها.
حاجة دمشق
تمثل سوريا أوضح ساحات التحول في موازين النفوذ بين طهران وأنقرة. فقد خسرت إيران، بسقوط نظام بشار الأسد، حليفاً رئيسياً وحلقة وصل مع “حزب الله” في لبنان، بينما أتاحت حاجة دمشق إلى إعادة بناء جيشها لتركيا فرصة لترسيخ دورها العسكري.
ويرى أستاذ دراسات الشرق الأوسط وشاغل كرسي ساندرا ماكي بجامعة أوكلاهوما، جوشوا لانديس، أن مصادر النفوذ التركي في سوريا تتغير. فالامتنان لدعم المعارضة واستضافة اللاجئين لم يعد يحظى بالأهمية السابقة، فيما بات التعاون الاقتصادي والأمني أشد تأثيراً في العلاقة بين البلدين.
ويقول لانديس للنهار إن أنقرة حريصة على دعم الجيش السوري وتدريبه وإعادة تسليحه، بينما يتركز التعاون الأميركي مع القوات السورية على مكافحة الإرهاب. ويرى أن واشنطن لا تساند دمشق في مواجهة الاستحواذ الإسرائيلي على مزيد من أراضيها، ما يزيد أهمية الشريك التركي.
ويستند التعاون العسكري إلى مذكرة تفاهم وُقعت في آب/أغسطس 2025، وتشمل التدريب والاستشارات وتوفير المعدات ومنظومات السلاح والدعم اللوجستي، وفق مصدر بوزارة الدفاع التركية نقلت عنه رويترز. وتتيح هذه المجالات لأنقرة المشاركة في بناء المؤسسة العسكرية السورية، بما يتجاوز العلاقة مع القيادة السياسية.
ويربط لانديس تعمّق اعتماد دمشق على تركيا بتصاعد الهجمات الإسرائيلية. ويقول إن السوريين أيدوا في البداية سعي أحمد الشرع إلى السلام مع إسرائيل، أملاً في إعطاء الأولوية للتنمية والعلاقات مع الغرب، لكن استمرار الاعتداءات يزيد الانتقادات لهذا النهج. ويضيف: “إنهم يريدون استعادة أراضيهم وإنهاء التوغلات الإسرائيلية”.
ويستحضر سابقة الخمسينيات، حين دفعت الحاجة إلى الحماية سوريا نحو الاتحاد السوفياتي. ويرى أن الحاجة نفسها تدفعها اليوم إلى التطلع نحو تركيا، وربما إلى ما وراءها مستقبلاً. فالدافع الذي يعمّق الاعتماد على أنقرة قد يدفع دمشق أيضاً إلى البحث عن شركاء آخرين.
ومن هنا، يكتسب التقارب السوري السعودي أهميته. فبحسب لانديس، اتبع الشرع سياسة مؤيدة للرياض لإيجاد ثقل يوازن النفوذ التركي. لكنه يشكك في تنفيذ كثير من مذكرات التفاهم قريباً، عازياً ذلك إلى انكماش الاقتصاد السعودي، بحسب تقديره.
حدود الضمانة الأمنية
في الخليج، يميّز الزميل المشارك بمعهد الشرق الأوسط في واشنطن، غريغوري غوز، بين توسيع الشراكة مع تركيا والاعتماد عليها ضامناً أمنياً. فالرياض تراها شريكاً إضافياً ومصدراً للسلاح وشريكاً محتملاً في بناء صناعتها الدفاعية، إلى جانب علاقاتها القائمة مع الولايات المتحدة والدول الأوروبية.
ويقول غوز للنهار: “لا أعتقد أن الرياض ترى في تركيا ضامناً أمنياً”، لأن التزامات أنقرة وقدراتها لا تجعل هذا الدور واقعياً. كما يشدد على أن مدى ترجمة اتفاق مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان إلى ترتيبات عسكرية فعلية على الأرض لا يزال موضع تساؤل.
وبحسب غوز، تدفع التهديدات الإيرانية وتهديدات حلفاء طهران السعودية إلى بناء شراكات تدعم علاقتها الأميركية. وتزداد أهمية هذه الشراكات إذا قلّصت واشنطن اهتمامها بالمنطقة، وهو احتمال يصفه بأنه غير مرجّح لكنه ممكن. ولا يرى تناقضاً بين تعزيز الدفاعات ومواصلة التفاوض مع إيران.
ويربط غوز قبول دور عسكري تركي أوسع باستمرار التهديد الإيراني وقرار أميركي بخفض الحضور والالتزامات في المنطقة. وبذلك، يتوقف حجم الدور الذي قد تمنحه الرياض لأنقرة على تطور المخاطر ومستوى الدعم الأميركي، إلى جانب ما تستطيع تركيا تقديمه.
من جهته، يرى أستاذ العلاقات الدولية الفخري بجامعة ليهاي والباحث الأول المنتسب بمجلس العلاقات الخارجية، هنري باركي، أن تركيا تستطيع، من حيث المبدأ، تحمّل التزامات خليجية إضافية، بشرط ألا تحاول إيران تقويض دورها.
لكنه يشكك، في حديث للنهار، في ترحيب دول الخليج بانخراط تركي أوسع، بسبب عدم الثقة بأردوغان. ويقول إن الجيش التركي، رغم قوته وكفاءته في بعض المجالات، يمتلك “قدرات وخبرة محدودتين جداً” في المنطقة، ويحتاج إلى وقت.
أما في ليبيا، فحققت أنقرة مكسباً بتراجع مجلس النواب عن رفض الاتفاق البحري معها. ففي 20 تشرين الأول/أكتوبر 2026، صادق المجلس بالإجماع على مذكرة تحديد مجالات الصلاحية البحرية الموقّعة عام 2019، وألغى قراري رفض المصادقة وقطع العلاقات الصادرين عام 2020، وفق بيانه الرسمي.
ويكشف التحول الليبي مساراً مختلفاً لتعزيز النفوذ التركي، عبر توسيع قبول أطراف كانت تعارض اتفاقات أنقرة. وهو ما يجعل مكاسب تركيا أوسع من مجرد الاستفادة من خسائر إيران.
لكن تراجع إيران نفسه ليس مكسباً تركياً خالصاً. فبحسب باركي، تخشى أنقرة حصول أكراد إيران على حكم ذاتي إذا انهار النظام. وهنا تكمن مفارقة طموحات أردوغان. فإضعاف منافس إقليمي قد يوسّع فرص تركيا، لكنه قد يفضي أيضاً إلى تحولات تعتبرها تهديداً لأمنها.
أخبار سوريا الوطن١-وكالات-النهار
syriahomenews أخبار سورية الوطن
