آخر الأخبار
الرئيسية » كتاب الأسبوع » موسوعة “عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات” للقزويني 

موسوعة “عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات” للقزويني 

 

 

في ليلة بغدادية من قرابة ثمانية قرون، جلس القاضي والعالم زكريا القزويني يراقب السماء، لم يكن يرى النجوم مجرد نقاط مضيئة، بل بوابات لعوالم مدهشة تجمع بين دقة الفلك وجموح الخيال.

 

من تلك التأملات، ومن رحلات شاقة بين حواضر المشرق العربي، ولد كتاب «عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات»، ليختصر في صفحاته ومخطوطاته الملونة نظرة إنسان العصور الوسطى للكون، ويمزج بروعة بين العلم التجريبي وملح النوادر الشعبية، ليكون ضيف زاوية أمهات الكتب لهذا الأسبوع.

 

يجمع هذا المصنف الفريد بين وصف الكون ومظاهره الطبيعية، وتصنيف الكائنات الحية، ورصد المعارف الفلكية والجغرافية، إلى جانب الأخبار العجيبة والمرويات التي تعكس تصورات الإنسان في تلك الحقبة عن العالم المحيط به.

 

وتبرز أهمية الكتاب بوصفه نموذجاً مهماً للتأليف الموسوعي في التراث العربي الإسلامي، إذ لا يقتصر على جمع المعلومات، بل يكشف عن طرائق تصنيفها وتفسيرها، وعن العلاقة الوثيقة بين الملاحظة والنقل والتأمل والخيال في بناء المعرفة الإنسانية.

 

بنية موسوعية لرصد الكون

 

قسّم القزويني كتابه هندسياً وبمنهجية دقيقة إلى قسمين رئيسيين:

 

• العالم العلوي: وتناول فيه السماء والأجرام السماوية والكواكب والنجوم، وما ارتبط بها من تصورات فلكية كانت سائدة في عصره.

 

• العالم السفلي: وخصصه لظواهر الأرض، متناولاً الهواء والرياح والظواهر الجوية، والمياه والبحار والجزر، ثم الأرض وتضاريسها ومعادنها ونباتاتها وحيواناتها، وصولاً إلى الإنسان وأحواله وسلوكه.

 

واعتمد المؤلف أسلوباً يقوم على التصنيف والتعريف بالأشياء وبيان خصائصها، مستنداً إلى مصادر معرفية متعددة، فضلاً عن المشاهدة والتأمل الشخصي، وتكشف هذه المنهجية عن اهتمام بتنظيم المادة العلمية ضمن تصور شامل للكون، مع الاستعانة بالأخبار والحكايات التي كانت متداولة في عصره لتلطيف النص المعرفي.

 

وتشير المخطوطات الباقية إلى المكانة الرفيعة التي احتلها الكتاب في تاريخ التأليف والمخطوطات الإسلامية؛ إذ تحفظ المكتبة البريطانية نسخة عربية مصورة وثمينة تعود إلى نحو عام 1300م، وتضم 368 لوحة فنية، تمثل شاهداً حياً على التفاعل المبكر بين النص المكتوب والتصوير البصري في تقديم العالم الطبيعي والعجائبي.

 

بين الملاحظة والمرويات العجائبية

 

لا تقتصر قيمة عجائب المخلوقات على المعلومات التي يوردها عن السماء والأرض والكائنات، بل تمتد إلى ما يكشفه من أساليب التفكير والتفسير في عصر المؤلف، فالكتاب يجمع بين أوصاف دقيقة للظواهر الطبيعية، ونقول عن مؤلفين سابقين، وأخبار عجائبية لا يمكن اعتمادها اليوم بوصفها حقائق علمية مثبتة، ما يتيح قراءته من منظور تاريخ العلوم والثقافة، مع التمييز بين المعارف التي يمكن مقارنتها بالمشاهدات والأدلة الحديثة، والمرويات التي توثق المعتقدات والتصورات السائدة في زمنه.

 

وفي هذا السياق، يرى الدكتور أحمد العلي (عضو الهيئة التدريسية في كلية الإلهيات بجامعة آيدن التركية) في تصريح لـ سانا أن قيمة الكتاب تتجاوز طابعه الموسوعي التقليدي، موضحاً أن: “العجيبة في بنية الكتاب ليست موضوعاً للمعرفة وحسب، وإنما هي أداة لإنتاجها وإعادة ترتيب حدودها”.

 

ويشير العلي إلى أن القزويني لا يكتفي بجمع الموجودات لغرابتها المجردة، بل يضعها ضمن تصور كوني تتحدد فيه قيمة الجزئيات بما تكشفه عن الكل، وتتحول الظواهر الاستثنائية لديه إلى مدخل للتساؤل عن نظام العالم الدقيق، ويخلص إلى أن القراءة التحليلية للكتاب تتجاوز سؤال “ماذا روى المؤلف؟” إلى دراسة “ما تكشفه طريقة روايته وتصنيفه عن بنية التفكير في عصره”.

 

المعرفة العلمية وملح التراث

 

من جهته، يصف الباحث الدكتور محمد زكريا الحمد كتاب «عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات» بأنه أحد النماذج الغنية التي تجسد طبيعة التدوين الموسوعي في الحضارة العربية والإسلامية، إذ يجمع بين دراسة الفلك والنجوم والمعادن والنبات والحيوان والإنسان.

 

ويلفت الحمد إلى اجتماع مسارين متوازيين في الكتاب: الرصد والمعرفة الطبيعية من جهة، والمرويات العجائبية والنوادر الشعبية من جهة أخرى، مستشهداً بما أورده القزويني عن الطيور القادرة على محاكاة كلام البشر، ومنها الزاغ والببغاء، وما رافق هذه الأخبار من طرائف أدبية ومفارقات لغوية ممتعة.

 

ويؤكد الحمد أن:”الكتاب ينبغي أن يُقرأ في سياقه التاريخي بوصفه موسوعة حضارية تجمع المعارف والمرويات، لا باعتباره بحثاً علمياً حديثاً وفق المعايير التجريبية المعاصرة”، مشيراً إلى الأهمية البالغة لمخطوطاته المصورة في توثيق أشكال الكائنات والموجودات، وما تقدمه من شواهد فنية وتاريخية على تطور الثقافة البصرية الإسلامية.

 

أثر ممتد في التراث

 

حظي الكتاب بمكانة واسعة في تقاليد التأليف الموسوعي، وانتقلت نصوصه إلى لغات متعددة كالتركية، كما بقيت نسخه المخطوطة موضع اهتمام الباحثين والمؤسسات الثقافية عبر القرون، وتؤكد الشواهد المحفوظة في المكتبات العالمية استمرار تداوله ونسخه وتصويره على مدى أجيال طوال.

 

وتكمن أهميته اليوم في كونه يتيح لنا نافذة فريدة على تاريخ المعرفة، وكيفية جمع المعلومات وترتيبها وتفسيرها في القرن السابع الهجري، فضلاً عن كشفه عن الصلات والجسور الممتدة بين العلوم والجغرافيا والأدب والفنون الحية.

 

القزويني في سطور

 

هو زكريا بن محمد بن محمود القزويني، المعروف بأبي يحيى عماد الدين القزويني، عالم وجغرافي وقاضٍ شهير، ولد نحو عام 1203م وتوفي في واسط عام 1283م، وتنقل خلال حياته في عدد من مناطق المشرق، وتولى القضاء في واسط والحلة خلال العصر العباسي، واشتهر باهتمامه بالعلوم الطبيعية والجغرافيا والتاريخ.

 

أبرز مؤلفاته: «عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات»، وكتاب «آثار البلاد وأخبار العباد» الذي يجمع بين جغرافيّة البلدان وأخبار الأمم والشخصيات، ما رسخ حضوره ضمن تقاليد الكتابة الموسوعية في التراث العربي الإسلامي.

(أخبار سوريا الوطن-سانا)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

 “العادات الذرية”.. كيف تصنع التغييرات الصغيرة فرقاً كبيراً؟

    إعداد: غنى سليمان عباس   غالباً ما يبدأ الإنسان رحلة التغيير بقرارات كبيرة وحماس قوي، قبل أن يتراجع ذلك الحماس مع مرور الوقت ...