بقلم: جمعان علي العمير
في اللحظات المصيرية من عمر الأوطان، تسقط كل العناوين الصغيرة، وتتراجع الخلافات إلى الخلف، ويبقى الوطن وحده متصدرًا المشهد؛ لأنه الحقيقة الثابتة التي تجمع أبناءه مهما اختلفت آراؤهم وتباينت اجتهاداتهم. واليوم، تقف سورية في لحظة من تلك اللحظات التي لا تحتمل التردد ولا تسمح بالانقسام، لحظة تفرض على الجميع أن ينظروا إلى ما هو أبعد من الخلاف السياسي والرأي الشخصي، وأن يدركوا أن الأوطان، عندما تتعرض للتحديات، لا يحميها إلا تماسك أبنائها ووحدة صفوفهم.
فليس المطلوب أن يتفق السوريون على كل شيء، فذلك أمر لم تعرفه الأمم في تاريخها، وإنما المطلوب أن يتفقوا على سورية، على أرضها وسيادتها وكرامتها ومستقبل أبنائها. فالوطن الذي احتضن الجميع لعقود طويلة يستحق اليوم أن يحتضنه الجميع بموقف وطني جامع يرتفع فوق الجراح والحسابات الضيقة. وإن أكثر ما تحتاجه سورية في هذه المرحلة ليس كثرة الأصوات المتجادلة، بل كثرة الأيدي المتكاتفة، وليس تبادل الاتهامات، بل تبادل الثقة والإيمان بأن قوة الوطن تنبع من قوة شعبه.
لقد أثبت التاريخ أن الأخطار الخارجية تصبح أكثر جرأة عندما ترى الانقسام داخل الشعوب، وأن الأوطان تزداد منعة عندما يتحول شعبها إلى جدار واحد لا تنفذ منه الأطماع. ومن هنا، فإن المسؤولية الوطنية اليوم تقتضي من كل سوري أن يدرك أن الخلاف حق، ولكن الحفاظ على الوطن واجب، وأن النقد مشروع، لكن وحدة الصف في أوقات التحديات ضرورة لا غنى عنها. فحين تتقدم مصلحة البلاد على المصالح الفردية، وتعلو راية الوطن فوق كل الرايات، تتحول الصعوبات إلى محطات صمود، وتتحول الأزمات إلى فرص لإثبات قوة الإرادة الوطنية.
إن سورية ليست مجرد بقعة جغرافية نعيش فوقها، بل هي ذاكرة شعب وتاريخ أمة وكرامة أجيال. هي وجوه الأمهات التي انتظرت أبناءها، ودموع الآباء التي اختلطت بالدعاء من أجل أن تبقى هذه الأرض آمنة مستقرة، وهي أحلام الأطفال الذين يستحقون أن يرثوا وطنًا قويًا موحدًا، لا وطنًا أنهكته الخلافات ومزقته الانقسامات. لذلك، فإن الواجب الأخلاقي والوطني يحتم علينا جميعًا أن نتمسك بخيط الوحدة، وأن نجعل من محبتنا لسورية نقطة التقاء لا نقطة خلاف.
وإذا كانت التحديات اليوم كبيرة، فإن تاريخ السوريين أكبر منها، وإذا كانت المخاطر حقيقية، فإن إرادة الشعب السوري كانت على الدوام أقوى من المحن وأشد صلابة من العواصف. وما تحتاجه البلاد الآن هو أن يستعيد أبناؤها تلك الروح التي طالما صنعت قوتها، روح التضامن والتلاحم والشعور بالمصير الواحد. فالوطن لا يسأل أبناءه إلى أي اتجاه ينتمون عندما تشتد الخطوب، بل يسألهم إن كانوا مستعدين للوقوف معه والذود عنه والمحافظة على وحدته وكرامته.
واليوم، أكثر من أي وقت مضى، نحن بحاجة إلى أن نتذكر أن الأوطان أكبر من خلافاتنا، وأبقى من مواقفنا العابرة، وأعظم من كل ما يمكن أن يفرق بيننا. فسورية التي جمعت أحلامنا وذكرياتنا وآمال أبنائنا لا تستحق إلا أن نجتمع حولها، وأن نجعلها قاسمنا المشترك الأكبر. فلا ترف لدينا للانقسام، ولا متسع لإضاعة الوقت في نزاعات تستنزف قوانا، بينما الوطن يحتاج إلى كل قلب مخلص، وكل يد صادقة، وكل موقف مسؤول.
إن التاريخ لا يذكر الذين اختلفوا في ساعات الخطر، بل يخلد الذين تجاوزوا خلافاتهم من أجل أوطانهم، ولا يرفع أسماء المتنازعين، بل يحفظ أسماء الذين توحدوا عندما كان الوطن بحاجة إليهم. لذلك، فإن سورية تنادي أبناءها اليوم بنداء يحمل كل معاني الوفاء والانتماء: تمسكوا بوطنكم، واجتمعوا حول رايته، واجعلوا من وحدتكم حصنًا يحميه، ومن وعيكم قوة تسنده، ومن محبتكم نورًا يبدد كل ظلام.
وعندما يسألنا أبناؤنا يومًا: ماذا فعلتم حين احتاجتكم سورية؟ فلنكن قادرين على أن نجيب بفخر واعتزاز: كنا هناك، نقف مع وطننا، نضع أيدينا بأيدي بعضنا بعضًا، مؤمنين بأن سورية تستحق أن نرتفع فوق خلافاتنا من أجلها، وأن نتوحد حولها، وأن نمنحها من إخلاصنا بقدر ما منحتنا من هوية وكرامة وانتماء. فليعلُ صوت الوطن فوق كل صوت، ولتبقَ سورية عزيزةً كريمةً شامخةً بأبنائها، قويةً بوحدتهم، عصيةً على كل من يراهن على فرقتهم؛ لأن الوطن الذي يسكن القلوب لا تهزمه العواصف، ما دام أبناؤه يجتمعون حوله كلما ناداهم، ويقفون صفًا واحدًا كلما دعاهم الواجب إلى الدفاع عنه وحمايته وصون مستقبله.
موقع: أخبار سوريا الوطن
syriahomenews أخبار سورية الوطن
