علي عبود
لايزال الكثيرون يصرون أن لبنان من أرخص الدول في المنطقة، ودليلهم توجه الزوار والسياح إلى فنادقه وأسواقه على مدار العام، وهذا الإصرار يدفعنا للسؤال: هل لبنان الأغلى أم الأرخص في المنطقة؟
لايُمكننا اعتبار فئة من المقتدرين ماليا تملأ الفنادق والموتيلات والمطاعم والمقاهي.. الخ، مؤشراً حقيقيا على الرخص، فهذه الفئة سواء كانت من السياح والزوار أو من أبناء البلد قادرة على إعطاء انطباع خدّاع بأنّ الأوضاع الإقتصادية “عال العال”، فهل هذا الإنطباع صحيح؟
لنطرح سؤالاًُ إقتصاديا بحتاً: كيف بمقدور عامل أو موظف لبناني متوسط دخله ـ حسب منظمة العمل الدولية ـ لايتجاوز 560 دولاراً شهريا تأمين احتياجاته الأساسية، وأبرزها “السكن والغذاء والكهرباء والمياه والنقل” التي لاتقل تكلفتها عن 1500 دولار؟
فإذا أضفنا إليها فاتورة الصحة والتعليم فأننا نجد أنفسا أمام معجزة لاتُفسّر لنا كيف يُمكن لملايين اللبنانيين تأمين مستلزمات حياتهم اليومية!.
قد تبدو عملية التكيف “مع واقع الحال” هي التفسير الأقرب إلى الواقع، فمن دخله أقل بكثير من احتياجاته الأساسية سيضطر مرغما للتخلي عن بعضها، وهو مايُطلق عليه “ انخفاض المستوى المعيشي”، واستمرار هذا الإنخفاض بفعل الغلاء المستمر بوتيرة عالية جدا دفع بعدد من الخبراء إلى تحذير الحكومة من انفجار شعبي قريب في الشارع!
والمسألة ليست تهويلا من قبل المعارضين لحكومة نواف سلام، وليست تنبوءات لبعض اساتذة الإقتصاد لاتستند إلى وقائع وأرقام صادمة، بدليل أن وزراء نقلوا عن نائب رئيس الحكومة طارق متري تحذيره خلال جلسة للحكومة من صعوبة الوضع الاجتماعي والمعيشي، مشيراً إلى أنه لا يستبعد حصول انفجار شعبي في الشارع!
والسؤال: ماالمعطيات التي ستعجّل بالإتفجار الشعبي في الشارع اللبناني؟
حسب أخر التقديرات أن أسرة من أربعة أشخاص تستأجر منزلا في بيروت أو ضواحيها تحتاج إلى 1500 دولار شهريا لتغطية نفقات السكن والغذاء والكهرباء والمياه والنقل، وحدها دون التعليم والإستشفاء والدواء والملابس والإتصالات والإنترنت ومواد التنظيف والنفقات “الطارئة”، وهذا الواقع فرض على الأسرة اللبنانية ـ التي لاتتلقى حوالات خارجية ـ “تكيّفا قهريا” دفعها للإستغناء عن بعض الحاجات الأساسية لأن متوسط الدخل في لبنان لايتجاوز 560 دولارا شهريا.
وحتى لو كان يعمل في الأسرة إثنان مجموع مايكسبانه لايتجاوز 1120 دولارا، فإن الهوة بين الدخل والإحتياجات الأساسية عميقة جدا، وتزداد عمقا يوما بعد يوم، وما من منفذ لتفجير غضب الغالبية الساحقة من اللبنانيين سوى الشارع!
وبتفاصيل أدق فإن فاتورة الكهرباء تستهلك 36.4 % من متوسط دخل العامل ـ المعتمد وفق منظمة العمل الدولية ـ في حين لاتقلّ أجرة السكن عن 700 دولار شهريا أي 125 % من متوسط دخل العامل.
أما بالنسبة لتكلفة الغذاء فإن برنامج الأغذية العالمي اعتمد على ماسماه “سلة الحد الأدنى للبقاء” أي التي توفّر 2100 سعرة حرارية للفرد يوميا وهي تساوي حاليا 194 دولارا أيّ 34.6 من متوسط دخل العامل.
ويستنزف النقل دخل الأسرة، فاستخدام فردين من الأسرة يوميا لوسائل النقل يشفط 270 دولارا أيّ 48.2 % من متوسط دخل عامل واحد.
الملفت، بل والمستغرب أن الحكومة اللبنانية بدلا من أن تعمل على رفع متوسط الدخل، فإن سياساتها أدت إلى تخفيضه من 668 دولارا إلى 560 دولارا شهريا!
الخلاصة: تؤكد التقارير الإقتصادية الأممية الصادرة في عام 2026 أن 800 ألف تقريبا من اللبنانيين باتوا بحاجة إلى دعم غذائي وفق معايير منظمة الصحة العالمية، وقد اضطرت الكثير من الأسر لبيع ممتلكاتها وأثاث منازلها كي تستمر بالحياة، و55 % من الأسر تعجز عن تأمين ثلاث وجبات يومية لأطفالها، وأمام هذا الواقع المتفاقم يوما بعد يوم هو الذي دفع بنائب رئيس الحكومة اللبنانية إلى التحذير من انفجار شعبي قريب في الشارع.
(موقع:أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن

