بقلم:د. سلمان ريا
لا تتغير خرائط المنطقة دائماً على وقع المعارك وحدها؛ أحياناً تبدأ التحولات الأعمق حين تتبدل قواعد الأمن، وتتراجع الثقة بالتفاهمات، وتكتشف الدول أن ما اعتبرته استقراراً راسخاً لم يكن سوى توازن قابل للاهتزاز. وما يجري اليوم في الشرق الأوسط يحمل ملامح هذه اللحظة؛ إذ تتشابك المواجهة الأميركية الإسرائيلية مع إيران، واضطراب الملاحة في الخليج، وتصاعد التوتر على الجبهات الممتدة من اليمن إلى لبنان، فيما تقف سوريا أمام أسئلة تتجاوز حدودها إلى مستقبل الإقليم كله.
في الأيام الأخيرة، ازدادت الهجمات على السفن في محيط مضيق هرمز، ووصل بعضها إلى غرق سفن تجارية، بينما تبادلت واشنطن وطهران الادعاءات بشأن السيطرة على هذا الممر الحيوي. ولم يعد أثر المواجهة مقتصراً على المنشآت العسكرية أو حسابات الردع؛ فقد امتد إلى تكاليف النقل والتأمين والطاقة، ليذكّر العالم بأن الجغرافيا البحرية ليست مجرد طرق للتجارة، بل مفاتيح للقوة يمكن أن تتحول إلى أدوات ضغط على اقتصادات بأكملها. وفي موازاة ذلك، أعادت الهجمات الحوثية على أهداف سعودية طرح سؤال أمن الخليج، وأعلنت القاهرة استعدادها لاتخاذ إجراءات دفاعية إذا طلبت الرياض ذلك. وهذه التطورات لا تثبت أن حرباً إقليمية شاملة أصبحت حتمية، لكنها تكشف اتساع دوائر الخطر وصعوبة عزل جبهة عن أخرى.
المشهد، مع ذلك، ليس عسكرياً خالصاً. فالتفاوض مستمر، وإن تعثرت مساراته، وتتحرك أطراف متعددة لمنع انفلات المواجهة أو لتحسين مواقعها قبل أي تسوية. وقد تكون المفاوضات وسيلة لوقف الحرب، وقد تكون أيضاً امتداداً لها بأدوات أخرى. وبين الاحتمالين تتشكل مرحلة تتراجع فيها قيمة الوعود غير المدعومة بضمانات، وتزداد أهمية القدرة على الصمود، وامتلاك أوراق تفاوض حقيقية، وفهم ما يريده الخصم وما يستطيع تنفيذه بالفعل.
في قلب هذه التحولات تقع سوريا، لا لأنها الطرف الأقوى، بل لأن موقعها يجعل استقرارها جزءاً من معادلة إقليمية أشمل. فمنذ سقوط النظام السابق، تواجه السلطة الجديدة مهمة بناء الدولة واستعادة الثقة وتثبيت السيادة، بينما تستمر العمليات الإسرائيلية والتوغلات، وتبقى المفاوضات الأمنية محكومة بخلافات عميقة حول الحدود والوجود العسكري وضمانات المستقبل. وفي الوقت نفسه، تتباين حسابات واشنطن وأنقرة وتل أبيب وسائر القوى المعنية. وقد تتقاطع نتائج سياساتها عند إضعاف القدرة السورية، حتى من دون وجود مخطط موحد يجمعها. فالسياسة لا تحتاج دائماً إلى اتفاق بين الخصوم كي تنتج نتائج متشابهة؛ يكفي أحياناً أن يعمل كل طرف لمصلحته، فيما تعجز الدولة المعنية عن حماية مصالحها.
من هنا، لا يكفي أن تسعى دمشق إلى تفاهم أمني يوقف الاعتداءات، على أهميته، إذا لم يقترن بمسار أوسع يعيد بناء مؤسسات الدولة، ويوحد القرار الوطني، ويؤسس لاقتصاد قادر على استعادة الحياة. فالتسوية التي تشتري الهدوء بثمن السيادة قد تؤجل الأزمة ولا تحلها، كما أن التشدد الذي يتجاهل موازين القوة قد يرفع كلفة المواجهة على المجتمع قبل غيره. المطلوب ليس الاختيار بين الواقعية والاستقلال، بل بناء واقعية تحمي الاستقلال وتدرك حدود القوة من دون أن تتنازل عن الحقوق.
أمام المنطقة ثلاثة مسارات مفتوحة: احتواء متبادل يفضي إلى تفاهمات، أو استمرار الاستنزاف ضمن جبهات متحركة، أو اتساع الحرب بفعل سوء التقدير وتراكم الردود. ولا تسمح الوقائع بالجزم بمسار واحد. لكن المؤكد أن المرحلة المقبلة ستختبر قدرة الدول على تحويل موقعها الجغرافي من عبء إلى رصيد، وأزماتها من عوامل تفكك إلى دوافع لإعادة البناء.
بالنسبة إلى سوريا، لا يكمن السؤال فيمن سيرسم خرائط النفوذ المقبلة فحسب، بل في ما إذا كانت ستبقى موضوعاً على طاولة الآخرين أم تستعيد مكانها طرفاً يشارك في تقرير مصيره. فالجغرافيا قد تضع البلاد في قلب العاصفة، لكنها لا تحكم عليها بأن تكون ساحة دائمة لها. وما سيصنع الفارق ليس تبديل التحالفات وحده، بل بناء دولة يثق بها مواطنوها، وتحمي حقوقهم، وتملك مؤسساتها، وتفاوض باسم مجتمعها لا على حسابه. عندها فقط يصبح استعادة القرار الوطني مشروعاً قابلاً للتحقق، لا أمنية معلقة على تبدل موازين الخارج.
(موقع اخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن

