مالك صقور
في عام 1967، تم تأسيس برنامج ثقافي في الولايات المتحدة الأمريكية، أُطلق عليه (برنامج استضافة الكتّاب العالمي) أو (البرنامج الدولي للكتابة)، بمبادرة من الشاعر الأمريكي بول إنغل والروائية هوالينغ نيه، في جامعة آيوا. ويُعتبر هذا البرنامج فريدًا ونادرًا من نوعه في العالم، إذ تتم استضافة كتّاب من مختلف دول العالم، من أجل تعزيز التبادل الثقافي والإبداعي. وكانت مدة الاستضافة عدة أسابيع، والبرنامج يتكفّل ببطاقات السفر ذهابًا وإيابًا، مع (بوكت مَني)، أي خرجية الجيب.
وقد تمّت استضافة العديد من الأدباء والأديبات السوريين. وكنت أودّعهم وأستقبلهم، وأستمع بشغف لآرائهم وانطباعاتهم عن الولايات المتحدة؛ منهم من كان مندهشًا «بعظمة» أمريكا، ومنهم من عاد مستاءً، لا يعجبه العجب، ومنهم من كتب قليلًا عن رحلته ولقائه بالكتّاب والشعراء الأمريكان… لكن الذي أجمعوا عليه، رغم تناقضات وجهات نظرهم، هو أنه لا توجد وزارة ثقافة في الولايات المتحدة!! بل يوجد ما يُسمّى (المتربول الثقافي).
واللافت هنا أن الولايات المتحدة، رغم هيمنتها على صناعة الترفيه والثقافة عالميًا، لا توجد فيها وزارة ثقافة رسمية كما في بقية دول العالم؛ هذه الوزارة التي توجّه المشهد الثقافي من الأعلى إلى الأسفل. وتبرير عدم وجود هكذا وزارة ينبع من فلسفة ليبرالية، حجّتها أنها تخشى تسييس الأدب والفنون، أو خضوع الإبداع للأيديولوجيا الحكومية… لذلك تُرك الأمر للتمويل الخاص والشركات، والمجتمع الأهلي أو المدني، والوكالات المستقلة، مثل (الوقف الوطني للفنون).
وفي الرأي السائد عند الأغلبية، أن عدم وجود وزارة ثقافة لم يخلق فراغًا، كما يبدو للوهلة الأولى، بل سمح بنشوء بيئة خصبة وُلدت منها مراكز قوى ثقافية كبيرة. وهنا تساءل الكتّاب: إذا لم تكن الدولة هي من ينظّم الثقافة، فمن هي الجهة التي توجّه؟ الجواب هو: المتربول الثقافي. وهذا يعني: (المدينة الحضرية الإبداعية). وفي هذه المدينة الكبيرة، يتشكّل فضاء جغرافي كثيف، تتلاقى فيه التعددية العرقية، والموارد المالية، والمؤسسات التعليمية الرسمية والمستقلة، لتتحوّل هذه المدينة (المتربول) إلى «مختبر» يُنتج الهوية الثقافية، ثم يُصدّرها إلى العالم.
لكن المتربول الثقافي ضمن الولايات المتحدة يختلف تمامًا عن تصديره إلى العالم، ولا سيما بلدان الشرق الأوسط. ففي مدينة نيويورك، هنا يتجسّد متربول التنوع والمسرح والفن المعاصر. على سبيل المثال: كيف تحوّلت أحياء مثل «مانهاتن» و«برودواي» إلى عواصم ثقافية عالمية، عبر استقطاب المبدعين من كل عرق، دون تدخّل الحكومة. أما مدينة لوس أنجلوس (هوليوود ومتربول الصناعة البصرية)، فهي مركز الثقافة الشعبية الذي يصوغ الخيال الجمعي العالمي عبر قطاع خاص بالكامل. وكذلك مدن الموسيقى (نيو أورلينز وديترويت): كيف وُلدت أنماط مثل موسيقى الجاز والبلوز من أحياء فقيرة، نتيجة التلاقح الثقافي العفوي في المدينة.
ويشير النقاد الأمريكان أنفسهم إلى أن أنموذج المتربول الحر شديد الحيوية والابتكار، لكنه محكوم بمنطق السوق والتجارة والسلعة.
أما عن تصدير المتربول الثقافي، فللزاوية القادمة.
(موقع:اخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن
