آخر الأخبار
الرئيسية » كلمة حرة » بين الفوضى والنظام: كيف يصنع القانون مواطناً أفضل؟

بين الفوضى والنظام: كيف يصنع القانون مواطناً أفضل؟

بقلم: جمعان علي العمير

 

 

ليست المشكلة في أن بعض الناس يخطئون، بل في أن المجتمع يتسامح أحياناً مع الخطأ حتى يتحول إلى سلوك اعتيادي. فبين شارع نظيف وآخر تغمره النفايات، وبين نظام يحترمه الجميع وفوضى يتذمر منها الجميع، يقف القانون بوصفه الفارق الحاسم بين مجتمع يسير نحو البناء وآخر يستهلك طاقاته في معالجة الفوضى.

كثيراً ما يُطرح الوعي المجتمعي والانتماء الوطني كحلٍّ لمختلف المشكلات السلوكية والخدمية، وهي بلا شك قيم أساسية لا غنى عنها. لكن التجارب أثبتت أن الوعي وحده لا يكفي لصناعة مجتمع منظم؛ لأن الناس يختلفون في ثقافاتهم وخلفياتهم ومستويات تعليمهم وطرق تفكيرهم. وبين الطبيب والمهندس والمعلم والعامل والعتّال والتاجر، تتعدد القناعات وتتباين الرؤى، بينما يبقى القانون هو القاسم المشترك الذي يحكم الجميع بالمعيار نفسه.

ولعل أبسط مثال على ذلك مخالفات رمي النفايات من المركبات. فعندما تكون هناك قوانين واضحة وغرامات رادعة وتطبيق جاد لا يعرف الاستثناءات، تختفي هذه السلوكيات تدريجياً. فلا يعود أحد يرمي كيساً أو عبوة أو حتى محرمة ورقية من نافذة سيارته. وليس السبب أن جميع أفراد المجتمع أصبحوا أكثر وعياً في لحظة واحدة، بل لأن القانون جعل احترام النظام أمراً واجباً، وربط المخالفة بعقوبة تمنع الاستهتار وتحمي المصلحة العامة.

إن الدول التي نجحت في ترسيخ ثقافة النظافة واحترام المرافق العامة والانضباط المروري لم تعتمد على الوعظ وحده، بل اعتمدت على منظومة قانونية فاعلة وعادلة. فالسلوك الحضاري لا يولد من الفراغ، بل يتشكل عبر قوانين واضحة تُطبَّق باستمرار على الجميع دون تمييز أو محاباة.

والحقيقة التي لا يمكن تجاهلها هي أن الفوضى تبدأ دائماً من المخالفات الصغيرة. فتجاوز بسيط اليوم قد يصبح ظاهرة غداً، وسلوك فردي مهمل قد يتحول مع الوقت إلى ثقافة عامة يصعب اقتلاعها. لذلك، فإن التساهل مع المخالفات لا يضر بالحاضر فقط، بل يهدد مستقبل الأجيال القادمة ويقوض جهود التنمية والبناء.

إن هيبة القانون ليست غاية بحد ذاتها، وإنما وسيلة لحماية المجتمع وصون حقوق أفراده. فعندما يثق المواطن بأن القانون يُطبَّق على الجميع دون استثناء، تنمو لديه روح المسؤولية، ويصبح الالتزام بالنظام جزءاً من سلوكه اليومي، لا خوفاً من العقوبة فحسب، بل اقتناعاً بأن احترام القانون هو احترام للمجتمع والوطن.

إن بناء الأوطان لا يقوم على الشعارات وحدها، بل على قواعد راسخة من العدالة والانضباط والمساءلة. فالقانون العادل هو الذي يحمي المنجزات، ويحافظ على المال العام، ويمنع الفوضى، ويهيئ البيئة المناسبة للتنمية والاستقرار.

وفي النهاية، يبقى الوعي قيمة عظيمة، لكنه يحتاج إلى قانون يحميه ويترجمه إلى واقع. فالمواطن الصالح يساهم في بناء وطنه، أما القانون العادل فيصنع ملايين المواطنين القادرين على البناء. وبين الفوضى والنظام، يبقى القانون حجر الأساس في صناعة مجتمع أكثر تحضراً، ووطن أكثر قوة واستقراراً.

(موقع: أخبار سوريا الوطن)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حين يتحول الشعب إلى مشروع بناء لسنا خارج المعادلة..

بقلم: جمعان علي العمير     في اللحظات المفصلية من عمر الأوطان، يظن البعض أن مهمة البناء تقع حصراً على عاتق أصحاب المناصب والقرارات، وأن ...