رئيس التحرير:هيثم يحيى محمد
ثمة أسلوب في إدارة الأزمات، يقوم على إشغال المواطنين بأزمة جديدة بدلاً من معالجة الأزمة القائمة، بحيث ينتقل اهتمامهم من مشكلة إلى أخرى، وتبقى المشكلات السابقة معلّقة بلا حلول. وقد يبدو هذا الأسلوب مخرجاً مؤقتاً لبعض أصحاب القرار، لكنه في الحقيقة ليس مقبولاً ، حيث تتراكم معه الأزمات وتتآكل الثقة بين الدولة والمجتمع.
وما يدعو إلى القلق هو ما شهدناه خلال الأشهر الماضية، بدءاً من الارتفاع الكبير في أسعار الكهرباء، وما أثاره من احتجاجات ومطالبات بمراجعة القرار، مروراً بالارتفاع الحاد في أسعار المحروقات، وصولاً إلى الشكاوى المتعلقة بجودة البنزين وما أُثير بشأنها من أعطال في السيارات وتكاليف إصلاح باهظة.
وهكذا انتقل المواطن من المطالبة بتخفيف فاتورة الكهرباء إلى الاحتجاج على أسعار المحروقات، ثم وجد نفسه أمام مشكلة جديدة تتعلق بسلامة الوقود ومخاطر الأضرار التي قد تلحق بمركبته. لكن انشغال الناس بالأزمة الجديدة لا يعني أن الأزمات السابقة قد انتهت، أو أن آثارها زالت، بل يعني ببساطة أن الأعباء تتراكم فوق أعباء، فيما تتراجع كل أزمة مؤقتاً عن واجهة الاهتمام لتفسح المجال لأخرى أشد إلحاحاً.
وهنا يبرز سؤال مشروع: هل نحن أمام قرارات متلاحقة لم تُدرس آثارها بما يكفي، أم أمام نمط في إدارة الشأن العام يجعل الأزمة الجديدة تتقدم على حساب معالجة الأزمة السابقة؟نترك الجواب لمن يهمهم الأمر، ونقول من حق المواطنين المطالبة بالتفسير والمحاسبة، ومن واجب المسؤولين التعامل بجدية مع النتائج التي تمس حياتهم ومعيشتهم.
نحن مع الإصلاح، ولا نتجاهل الصعوبات الاقتصادية التي قد تضطر الدولة إلى اتخاذ قرارات صعبة. لكن الإصلاح الحقيقي لا يقوم على صدمات متلاحقة، بل على رؤية متكاملة، وشفافية في شرح القرارات، ودراسة آثارها على القدرة الشرائية وتكاليف الإنتاج والمعيشة، مع حماية الفئات الأكثر تضرراً.
أما ما أُثير بشأن جودة البنزين، فيستوجب التحقيق العاجل والشفاف، ونشر نتائج الفحوصات، وتحديد المسؤوليات، ومحاسبة المقصرين عند ثبوت المخالفات، ووضع آلية عادلة لتعويض المتضررين الذين تثبت أحقيتهم وفق ماأعلنت عنه وزارة الطاقة مساء اليوم قبل الدفع بهذا المقال للنشر . فسلامة ما يُقدَّم للمواطن ليست ترفاً، بل مسؤولية أساسية لا يجوز التهاون فيها.
إن الدولة القوية ليست التي لا تخطئ، بل التي تعترف بالخطأ وتصححه. ومراجعة قرار ثبتت أضراره ليست ضعفاً، بل دليل مسؤولية، كما أن النقد الموضوعي لا يستهدف الدولة، وإنما يسعى إلى حماية مؤسساتها وتعزيز الثقة بها.
إن المطلوب اليوم ليس نقل المواطنين من أزمة إلى أخرى، بل معالجة الأزمات من جذورها، ومراجعة القرارات عند الضرورة، وإشراك الرأي العام في فهم مبرراتها ونتائجها.
فالدولة لا تُحمى بإسكات صوت الأزمة، ولا تُدار بإشغال الناس بأزمة جديدة، بل تُصان بالشفافية والمحاسبة والقرارات المدروسة. ومن يحرص على نجاح الدولة حقاً، عليه ألا ينشغل بكيفية تجاوز غضب المواطنين، بل بكيفية إزالة أسبابه.
(موقع:اخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن

