آخر الأخبار
الرئيسية » ثقافة وفن » سادن الطمي والأبجدية.. نبيل عجمية، حارس الذاكرة وأثرٌ باقٍ، وحبُّ الناس تكريمه الحقيقي

سادن الطمي والأبجدية.. نبيل عجمية، حارس الذاكرة وأثرٌ باقٍ، وحبُّ الناس تكريمه الحقيقي

بقلم: علي نفنوف

 

 

هناك رجال تلتقيهم، فتشعر أنهم لم يولدوا من أرحام أمهاتهم، أو أنهم ليسوا أشخاصاً عاديين سيعبرون الزمن أو سيعبرهم الزمن؛ رجالاً جُبلوا من طين أوغاريت، ورُضعوا من لبان فينيقيا حتى النخاع.

الباحث نبيل عجمية هو أحد هؤلاء الحراس الذين يقفون على ثغور الذاكرة السورية، ليس ليجمعوا حكايات العجائز للتسلية، وإنما ليرمموا تصدعات الهوية، ويصنعوا مداميك صيانتها.

قبل أكثر من خمسة عشر عاماً، وفي بهو المركز الثقافي في صافيتا، وبسعي دؤوب ونبيل من صديقنا المشترك، السيد فؤاد حمود أبو راغب، الذي كان يرى في هذا اللقاء ضرورة معرفية وجسر تواصل حتمياً، التقيت بنبيل عجمية للمرة الأولى.

كان فؤاد يرى في نبيل إنساناً نبيلاً بكل معنى الكلمة، مكتنزاً بالقيم الإنسانية والأخلاق، يتربع على عرش الطيبة والمودة، ناهيك عن حبه الشغوف لجمع التراث وحفظه وتقديمه بطريقة مبسطة للغافي أو المتغافل عن هذا التاريخ الجميل لهذا الساحل.

يومها، لم يكن حديثنا المتنقل بين ضفاف الشعر والموروث مجرد تعارف عابر، بل كان مكاشفة ثقافية امتدت لسنوات. أذكر كيف أبدى إعجابه بنشاطي الثقافي وبقلمي المتمرد على المألوف، وكيف رأيت فيه إنساناً مسكوناً بقداسة أرضه، يرى التاريخ في حبة القمح، والأبجدية في حركة المحراث.

وُلد نبيل عجمية عام 1957 في قرية بيت ياشوط الجبلية، وبدأ فك الحرف عام 1965 في كتّاب القرية. لكن الرحلة لم تكن مفروشة بالورود؛ إذ باغتته الحياة بيُتم مبكر، وفقر شديد، وحرمان دفعه إلى مغادرة مقاعد الدراسة النظامية بعد المرحلة الإعدادية، ليعيل شقيقاته.

هذا الانقطاع لم يكن نهاية المطاف، بل كان بداية ولادة باحث عصامي نَهِم، أكلت عيناه أمهات الكتب، وصهرته المعاناة ليصبح واحداً من أهم مراجع التراث الشعبي اللامادي في الساحل السوري.

يقوم منهج عجمية على الأركيولوجيا الميدانية؛ فهو لا يكتب من وراء المكاتب المغلقة، بل ينزل إلى التلال والبيادر، ويصعد الوهاد كمن يحاول أن يصطاد النجوم، من أجل تتبّع أصول تسميات القرى السريانية والفينيقية، والبحث في الآثار البيزنطية المدفونة في ريف جبلة، مثل فسيفساء «عين سالم».

وثّق أغاني الحصاد، وطقوس الكوانين حول مواقد النار، وعادات الأعراس، كعتبة البيت والفرس البيضاء، معتبراً أن الفلاح هو الموثّق الأول والشرعي للأرض.

المفارقة الأجمل في مسيرة هذا الرجل هي أن الكاتب الذي نذر عمره ليوثّق للجميع، تحوّل هو نفسه إلى وثيقة حيّة استقطبت اهتمام الحراك الثقافي السوري.

وثّقته وزارة الثقافة عبر «مدونة وطن»، وأرشف موقع «الأنطولوجيا» نصوصه ومقالاته، ولعل أبرزها ما كتبه عن لقائه الاستثنائي بشاعر العرب سليمان العيسى في دمشق.

كما تحوّلت منصات المراكز الثقافية في بانياس وجبلة وبيت ياشوط إلى سجلات دائمة لأبحاثه، وصار أهالي قريته يرون فيه «حارس الذاكرة» الذي يورّث الأجيال الجديدة مسرحيات الأجداد وأغانيهم، قبل أن تبتلعها حداثة مشوّهة.

يجمع المقرّبون منه، ومنهم المخرج نضال لميا، على كاريزما الإلقاء التي يمتلكها عجمية؛ فهو يحدّثك بعفوية ابن الأرض وبلاغة الشاعر، حاملاً مشروعه الوطني بإنكار ذات تام.

وينهمك اليوم في جمع أبحاثه الميدانية الطويلة ليصدرها في كتاب مطبوع، يختزل حصاد عمر قضاه في نبش التراب عن ملامحنا الأولى.

نبيل عجمية لم يعد مجرد جامع للتراث، بل صار جزءاً من تراث الساحل الحي، وشاهداً على أن الحبر الصادق لا يمحوه الغياب.

وأخيراً…

في غياب التكريم الرسمي، المقصود أو غير المقصود، أرى أن الله قد كرّمه بنعمة الإبداع والذاكرة، وأنه كرّم نفسه بالوفاء للأرض والإنسان، وبالوفاء لشعبه. وفي المقابل، كان حاضراً في قلوب كل من يعرفه، وكان الحب من الجميع هو التكريم الحقيقي له.

وإذا كنت أكتب هذا المقال، فإنما أكتبه من باب الوفاء لهذه القامة الأدبية والفكرية والتاريخية، ومن باب الإنصاف والحق والحقيقة.

متمنياً الخلود لرسالته الأوغاريتية الفينيقية السورية

 

 

 

 

 

 

(موقع: أخبار سوريا الوطن)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

آصف وسوف… شاعر على تخوم الذاكرة والبحر

بقلم علي نفنوف   وأنت تسلك الطريق من خط جديد، ثم تنعطف يمينا باتجاه طرطوس، وتلتحق بالطريق الدولي العام، ستقع عيناك، إلى يمين الطريق، على ...