هربوا من قصف نظام بشار الأسد بحثا عن ملاذ أقل قسوة، فوجدوا في غزة المحاصرة مكانا يمكن أن يحتملوا فيه الحياة. لكن الحرب التي اندلعت هناك بدّلت حساباتهم، وحوّلت رحلة النجاة من جحيم إلى آخر، لتبقى 31 عائلة سورية، تضم نحو 150 شخصا، عالقة بين وطن تتوق إلى العودة إليه وقطاع لا تستطيع مغادرته.
وفي قصة أعدتها الصحفية لين الفيصل لمنصة “عربي +AJ”، يروي أنس قاطرجي، المعروف في غزة باسم “الحلبي”، حكاية هذه العائلات التي فرّت من سوريا خلال سنوات الثورة، قبل أن تجد نفسها في مواجهة حرب مدمرة، تحاصرها بالجوع والتشرد، وتثقل كاهلها بعقبات إضافية تحرمها من المساعدات وتؤخر عودتها.
تعود بداية الحكاية إلى السنوات الأولى للثورة السورية، حين دفعت المعارك والقصف آلاف العائلات إلى النزوح، وكان بعض السوريين ممن وصلوا إلى مصر يواجهون صعوبة في تأمين فرص العمل ومصادر الدخل. عندها، بدت غزة، رغم حصارها وحروبها المتكررة، خيارا متاحا للبحث عن حياة جديدة.
بين عامي 2011 و2013، وصلت غالبية العائلات السورية إلى القطاع بدعوات من أقارب فلسطينيين أو عائلات تعرفت إليها في مصر، فيما استقدم أصحاب مشاريع بعض السوريين للعمل، ومنهم قاطرجي الذي عمل في مجال المطاعم، كما لجأت عائلات أخرى إلى غزة بفعل صلات القرابة التي تربط أزواجها بأسر فلسطينية.
ملاذ مؤقت
لم تكن غزة بعيدة عن الحرب، لكن السوريين الذين عاشوا فيها رأوا أن ما عرفوه من قصف النظام السوري وجرائمه يجعل أهوال القطاع أهون مما فروا منه، ويستعيد قاطرجي كيف كانوا يقارنون، أحيانا على سبيل المزاح، بين حروب غزة وما شهدته مدنهم وبلداتهم في سوريا.
فقد عايشوا جولات التصعيد في أعوام 2014 و2016 و2019 و2020 و2021، وشاهدوا القصف والدمار في القطاع، لكن الحرب الأخيرة بددت تلك المقارنات، يقول قاطرجي إنهم لم يتخيلوا أن يروا دمارا بهذا الحجم، مع سقوط أعداد كبيرة من الضحايا في لحظات، ومحو مبانٍ وأحياء، إلى جانب التجويع الذي طال السكان.
وعلى امتداد 3 سنوات من الحرب، تقاسم السوريون مع الفلسطينيين النزوح والقصف والجوع، وفقدوا أحبة ومصادر رزق، وتراجعت قدرتهم على إعالة أطفالهم، وما بدأ رحلة لجوء بحثا عن الأمان انتهى بحياة معلقة في خيام النزوح، حيث لا تلوح نهاية قريبة للمحنة.
تعيش غالبية هذه العائلات اليوم في خيام فوق أراضٍ تستأجرها، وتدفع مقابلها ما لا يقل عن 120 دولارا، وفي قطاع أنهكته الحرب وانهارت فيه سبل العيش، يصبح تأمين مأوى متواضع عبئا إضافيا على أسر فقدت منازلها ومصادر دخلها.
غير أن النزوح لم يكن متساويا في تفاصيله؛ فالسوريون لا يملكون، في معظم الحالات، شبكة أقارب داخل القطاع يمكنهم اللجوء إليها عند مغادرة منازلهم، ويستعيد قاطرجي كيف خرجت عائلات كثيرة إلى الشوارع بلا خيام أو استعداد مسبق، إذ لم تتصور أن تجد نفسها يوما في هذا المصير.
ويقول إنه كان من المحظوظين، إذ أمضى 7 أشهر في منزل صهره برفح، ثم لجأ عامين إلى منزل صديق في النصيرات، أما عائلات أخرى، فوجدت نفسها في العراء فترات طويلة، تبحث عن مأوى وسط موجات النزوح المتلاحقة، في وقت كان فيه الحصول على خيمة أو مساحة آمنة أمرا بالغ الصعوبة.
ويضاعف غياب الوثائق الفلسطينية عزلتهم؛ فمعظم السوريين لا يحملون أرقام هويات أو بطاقات لاجئين تتيح لهم الاستفادة من برامج المساعدات المخصصة للاجئين، وبحسب قاطرجي، بقي الدعم الذي يصلهم محدودا للغاية، يعتمد غالبا على علاقات شخصية ومبادرات فردية، لا على مظلة إغاثية منتظمة.
ويوضح أن مجموعات أخرى من الأجانب الموجودين في غزة استفادت من دعم جهات مرتبطة ببلدانها أو من مؤسسات تتعامل مع حاملي الوثائق الفلسطينية، أما العائلات السورية، فلا تملك كيانا مماثلا تتوجه إليه، ما اضطر أفرادها إلى التكافل فيما بينهم لمواجهة الاحتياجات اليومية.
ورغم قسوة هذا الواقع، يرى قاطرجي أن الفضل الأكبر في صمودهم يعود إلى الفلسطينيين الذين تقاسموا معهم ما تبقى من أسباب الحياة، فقد استقبلت عائلات فلسطينية نازحة النساء والأطفال السوريين في خيامها، بينما بحث الرجال عن أماكن أخرى تؤويهم، في مشهد يجسد تضامنا بين ضحايا الحرب.
حتى سقوط نظام بشار الأسد، الذي انتظره السوريون سنوات، لم يتمكن قاطرجي من عيش فرحته كما حلم، ففي صباح سقوط النظام، كان يتنقل في شوارع غزة بحثا عن كيلوغرام من الطحين لإطعام أسرته، بعدما بلغ سعره 50 دولارا، ويلخص تجربته بالقول إن الجائع لا يشعر إلا بالجوع.
ومنذ سقوط الأسد، أخذت العائلات تناشد الحكومة السورية مساعدتها على الخروج من القطاع والعودة إلى بلادها، لكن الانتظار طال من دون أن يتحقق تقدم ملموس، ويؤكد قاطرجي أن هذه الأسر تريد استعادة حياتها ورؤية أهلها، بعد سنوات من الغياب والخوف، لكنها لا تملك وسيلة مستقلة لإنجاز العودة.
لا يبدو الطريق إلى سوريا سهلا؛ إذ يتطلب موافقة إسرائيلية على مغادرة القطاع، وإصدار السلطة الفلسطينية جوازات سفر للاستعمال مرة واحدة تتيح العبور إلى الأردن، ثم الحصول على موافقة أردنية تسمح بمواصلة الرحلة إلى الأراضي السورية، وهي سلسلة إجراءات تجعل مصير العائلات رهنا بموافقات متعددة.
وبحسب ما نقلته معدة القصة عن وزارة الخارجية السورية، تتابع إدارة المغتربين الملف، لكن الوزارة لن تعلن تفاصيل عن تطوراته قبل انتهاء العمل عليه، وفي انتظار ذلك، تظل العائلات بلا موعد واضح للعودة، بينما تتواصل معاناتها في ظروف لا تتيح لها بناء حياة مستقرة أو التخطيط للمستقبل.
ومن بين الحالات التي يرويها قاطرجي طفل فقدَ والده في سوريا ووالدته في غزة، وأُصيب خلال الحرب، بينما تنتظره جدته في سوريا، ولم يتمكن من المغادرة عبر تحويلة طبية، ليصبح مصيره مثالا مؤلما على ما تتركه الحروب من مآسٍ تتجاوز حدود القصف والنزوح.
لا يطلب أنس قاطرجي، في رسالته إلى الحكومة السورية والمنظمات الإنسانية والإغاثية، سوى مساعدة العائلات على العودة إلى وطنها، مؤكدا أن أفرادها لا يريدون أكثر من استعادة صلتهم بأهلهم وأرضهم.
وبين غزة التي لا يستطيعون مغادرتها وسوريا التي يتوقون إليها، يبقى الأمان الذي خرجوا بحثا عنه مؤجلا، والعودة حلما ينتظر قرارا يضع حدا لرحلتهم بين حربين.
أخبار سوريا الوطن١-وكالات-الجزيرة
syriahomenews أخبار سورية الوطن

