الرئيسية » كلمة حرة » خيانة المثقفين وأنماطهم… وهل مثقفنا بخير؟

خيانة المثقفين وأنماطهم… وهل مثقفنا بخير؟

مالك صقور

 

 

يجري الحديث بين الحين والآخر عن المثقف ودوره في نشر الثقافة، وعن دوره في المجتمع. ربما انطلاقًا من مقولة: «وفي الليلة الظلماء يُفتقد البدر»؛ ذلك لأن القناعة ترسخت على مر العصور لدى الشعوب، الراقية منها وحتى المتخلفة، بأن المثقفين هم الطليعة الواعية، وهم الرواد الأوائل، وهم حملة مشاعل التنوير والتعليم والتثقيف والحرية أيضًا. لكن هذه القناعة تخلخلت كثيرًا أو قليلًا لأسباب عديدة، منها ما نتج عن مواقف المثقفين أنفسهم، ليس في هذه المرحلة أو في هذا العصر فحسب، بل في مراحل سابقة أيضًا. والأمثلة أكثر من أن تُحصى عن المثقفين، وعن صفاتهم وصورهم وأدوارهم وخيانتهم، حتى قبل ظهور مصطلح «المثقف» و«الإنتليغنتسيا»، أي فئة المثقفين.

ومن صور المثقف أو أنماطه:

المثقف الثوري، والمثقف اليميني، والمثقف الرجعي، والمثقف الانتهازي، والمثقف العضوي، والمثقف الطليعي، والمثقف الشمولي كما يرى ميشيل فوكو، والمثقف الكوني حسب هادي العلوي.

يقول أدونيس: «إن المثقفين طليعة القيادة، فليس الفكر والسياسة واحدًا وحسب، وإنما لا نستطيع، فوق ذلك، أن نتصور سياسة عظيمة إذا لم تكن صادرة عن فكر عظيم. إن السياسة هي كذلك إما أن تكون إبداعًا ثقافيًا وإما لا تكون». (1)

أما إدوارد سعيد، ففي كتابه «الآلهة التي تفشل دائمًا»، فقد كتب الفصل الأول تحت عنوان «صور المثقف». ويتساءل إدوارد سعيد: «هل المثقفون مجموعة واسعة جدًا أم مجموعة صغيرة للغاية من الناس مختارة بدقة عالية؟»

يجيب إدوارد سعيد قائلًا: «يتعارض الوصفان الأكثر أهمية للمثقفين في القرن العشرين على نحو جوهري حول هذه المسألة. فأنطونيو غرامشي، المناضل الإيطالي الماركسي والمفكر السياسي والصحفي اللامع، الذي سجنه موسوليني بين عامي 1920 و1937، كتب في دفاتر السجن: “كل الناس مثقفون، وبناءً عليه يمكن للمرء أن يقول: لا يمارس كل الناس وظيفة المثقفين في المجتمع”». (2)

والمثقفون عند غرامشي إنموذجان: الأول، مثقفون تقليديون، مثل المعلمين ورجال الدين والإداريين الذين يواصلون فعل الأشياء نفسها من جيل إلى جيل. والثاني، مثقفون عضويون، وهؤلاء يرتبطون بشكل مباشر بالطبقات أو المؤسسات التجارية التي تستخدم المثقفين لتنظيم المصالح وإحراز سلطة أكبر والحصول على رقابة أوسع.

أما جوليان بيندا، فله تعريف شهير للمثقفين: «إنهم جماعة صغيرة من ملوك حكماء يتحلون بالموهبة الاستثنائية والحس الأخلاقي العالي، وقفوا أنفسهم لبناء ضمير الإنسانية». (3)

لكن في الوقت نفسه، يبقى كتاب جوليان بيندا «خيانة المثقفين» من الكتب المهمة التي تناولت المثقفين ومواقفهم السلبية وتنازلهم عن مبادئهم. ومع ذلك، يُبقي بيندا على عدد قليل من المثقفين يُطلق عليهم «المثقفون الحقيقيون». والمثقفون الحقيقيون، وفق تعريف جوليان بيندا، «هم الذين يجازفون بخطر الحرق أو النبذ أو الصلب، إنهم شخصيات بارزة رمزية… يجب أن يكونوا في حالة تضاد مع الوضع القائم على نحو شبه دائم».

ومن وجهة نظر جوليان بيندا، فإن خيانة المثقف قد بدأت عندما اختلط بالناس ومارس السياسة. والجدير بالذكر أن من أهم ما رمى إليه بيندا هو التطور الفكري الذي ساهم فيه المثقفون من خلال فصل الدين عن السياسة. ففي زمن أفلاطون، مثلًا، كانت الأخلاق هي التي تحدد السياسة؛ وحتى عندما فصل ميكافيللي الأخلاق عن السياسة، بقيت معايير الشر شرًا، وبقيت معايير الخير خيرًا.

حظي كتاب جوليان بيندا «خيانة المثقفين» باهتمام لينين وتقديره. يقول لينين: «المثقفون هم أقدر الناس على الخيانة لأنهم أقدر الناس على تبريرها». وقد صدقت مقولة الشهيد غسان كنفاني، فهو الذي قال: «ستصبح الخيانة وجهة نظر».

أما الأستاذ صالح سليمان عبد العظيم، مدرس علم الاجتماع في جامعة عين شمس، فيطلق على صور المثقف تسمية «أنماط معاصرة من المثقفين». وفي رأيه، يعيش في الوطن العربي أنماط من المثقفين، وهذه الأنماط مختلفة، مع أنهم يرتبطون بصناعة الأفكار وتداولها.

وإذا كان لكل مرحلة مثقفوها، فإن ما يمر به العالم العربي من تحولات على مستوى البُنى الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية قد ارتبط بظهور نوعيات جديدة من المثقفين. والمثقف في النهاية، حسب صالح عبد العظيم، رغم أنه عضو فاعل في المجتمع مثله مثل غيره من باقي أعضاء المجتمع، إلا أنه يتميز عن الآخرين بأنه من صُنّاع الأفكار والضمير الجمعي، حيث لا يشبهه في هذا السياق أي عضو آخر في المجتمع.

يوضح الأستاذ صالح عبد العظيم حال المثقف في الماضي والحاضر، ويتحدث عن مؤسسات ثقافية كالجامعات والإعلام والصحافة والمنتديات الثقافية والسياسية. ويقول إنه سابقًا، وفي مراحل تاريخية سابقة، كان الحديث يتم عن «مثقف السلطة» أو «المثقف المعارض» أو «المثقف اليساري» أو «المثقف الليبرالي»، لكنها أنماط تم تحديدها من خلال الممارسات الحياتية اليومية للمثقفين، وارتبطت بحالة الاهتراء التي يشهدها الواقع العربي من جانب، وأوضاع المثقفين العرب المتدهورة من جانب آخر.

وبناءً على دراسة أوضاع المثقفين العرب، فقد صنّف عبد العظيم أنماط المثقفين على الشكل التالي:

المثقف التاجر.
المثقف المؤسسة.
المثقف الحبوب.
المثقف المطيباتي.
المثقف الصفيق.
المثقف الأستاذ الدكتور.
طبعًا، يضرب عبد العظيم أمثلة على كل نمط من هؤلاء، ويقول: «لقد أصبحت هذه الأنماط أكثر تسيدًا في الحياة الثقافية العربية». (4)

قد يكون تصنيف عبد العظيم فيه شيء من الصحة، لكنه سطّح الأمر حتى النهاية، ورسم لوحة هجائية (كاريكاتورية) عن أنماط المثقفين، وأهمل قطاعًا كبيرًا من المثقفين المبدعين الذين لم يتلوثوا، ولديهم المناعة والحصانة من أن يُباعوا أو تموت ضمائرهم. لقد نسي المثقف الإيجابي.

أما بعد!

هذا باختصار شديد عن صور المثقفين وخيانتهم.

وأخيرًا: هل المثقف فاعل ومؤثر؟!

هل مثقفنا بخير؟!

المراجع

أدونيس، فاتحة لنهاية القرن، دار العودة، بيروت، 1980، ص. 183.
إدوارد سعيد، الآلهة التي تفشل دائمًا، دار الكاتب العربي، دار التكوين، ترجمة حسام خضور، (بلا تاريخ)، ص. 17.
المرجع السابق، ص. 18.
صالح عبد العظيم، «أنماط معاصرة من المثقفين»، أخبار الأدب، العدد 613، شهر أبريل (نيسان) 2005، ص. 6 و7.

 

 

(موقع:اخبار سوريا الوطن)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

الكلمة تبني: سيادة المعنى في وجه صخب الكراهية والتحريض

    حيدره دبرها   في المشهد الإنساني المعاصر، حيث تتقاطع الفضاءات الرقمية وتتسارع وتيرة الإيقاع اليومي، لم تعد الكلمة مجرد أداة عابرة للتواصل، بل ...