آخر الأخبار
الرئيسية » كلمة حرة » دمشق التي بقيت في الذاكرة (1) هكذا بدأ السقوط قبل النهاية…

دمشق التي بقيت في الذاكرة (1) هكذا بدأ السقوط قبل النهاية…

 

 

بقلم: المهندس محمود محمد صقر

 

وقفتُ أمام دمشق، أستعيد مدينةً عرفتها في طفولتي. لم تكن في ذاكرتي أبنيةً وشوارع فحسب؛ كان فيها ماءٌ يجري، وخضرةٌ تمتد، ومدينةٌ تتنفس من حولهما. كفيحاء صنعها الله

كانت أمي، الدمشقية، تقول: «الشام شامة على خدّ الدنيا».

لم أكن يومها أعرف أن المدن لا تسكن الذاكرة وحدها، بل تسكنها أيضًا الأسئلة التي نؤجلها طويلًا، حتى يأتي يومٌ نكتشف فيه أن ما فقدناه أكبر من قدرتنا على تفسيره.

لم أسأل دمشق: مَن أفسدكِ؟ فمثل هذا السؤال يبحث عن متهم قبل أن يبحث عن الحقيقة.

سألتها: متى بدأ يتغير شيءٌ فيكِ؟

ثم وجدتني أعود إلى الوراء، إلى زمنٍ كانت فيه سوريا تبحث عن شكل الدولة التي تريد أن تكونها.

استقلت سوريا عام 1946، لكنها عاشت بعد ذلك انقلاباتٍ ووحدةً وانفصالًا، حتى وصل حزب البعث إلى السلطة عام 1963. ثم جاءت هزيمة حزيران عام 1967، واحتلال الجولان، لتضيف إلى أزمات البلاد جرحًا استراتيجيًا عميقًا.

لم أُرِد أن أحوّل هذه السنوات إلى قائمة أحداث، بل أردت أن أسأل: ماذا فعلت الأزمات بالدولة؟ وهل كانت تتعلم منها، أم كانت تخرج من أزمة لتدخل في أخرى؟

حين تغيّر السؤال

وصلنا إلى عام 1970.

تخيلتُ أنني أسأل الدولة السورية:

— ماذا حدث لكِ؟

قالت:

— بقيت مؤسساتي قائمة؛ وزاراتٌ وجامعات، وجيشٌ وإدارات. ظلت الأبواب تُفتح كل صباح، والناس يذهبون إلى أعمالهم.

قلتُ لها:

— إذن، بقيتِ كما كنتِ؟

سكتت قليلًا، ثم قالت:

— ليس كل ما يبقى قائمًا يبقى كما كان. قد تبقى المؤسسة في مكانها، بينما تتغير معايير اختيار من يديرها، والمساحة المتاحة لمن يعترض، والقدرة على تصحيح الخطأ.

توقفتُ عند كلماتها.

فحين يتقدم الولاء على الكفاءة، لا يخسر صاحب الخبرة منصبه وحده؛ تخسر المؤسسة معرفته، ويخسر المجتمع فرصة الاستفادة منها. وحين يصبح الصمت أكثر أمانًا من الاعتراض، لا تختفي الأخطاء، بل تختفي الأصوات التي كان يمكن أن تكشفها.

لكن هل جرى ذلك في سوريا؟ وكيف؟ وهل كان مسارًا واحدًا لا بديل له، أم كانت هناك لحظات كان يمكن فيها أن تسلك الدولة طريقًا آخر؟

لم يكن من الإنصاف أن نحسم الإجابة قبل أن نفتح الملفات، ونقرأ الوقائع، ونفهم ما جرى في المؤسسات والإدارة والاقتصاد، وفي العلاقة بين السلطة والمجتمع.

فالأدب يفتح الباب، والتاريخ يختبر الفكرة، والعقل يمنعنا من التسرع في الحكم.

لهذا سنعود إلى عام 1970، لا لنبحث عن متهمٍ واحد، بل لنتتبع طريقًا طويلًا: كيف تشكلت العلاقة بين الحكم والدولة، وماذا حدث حين أصبح استمرار السلطة أهم من قدرة المؤسسات على مراجعة أخطائها؟

فالسؤال ليس فقط: كيف سقط النظام؟

بل: ماذا كان يحدث للدولة، بينما ظل الحكم قائمًا؟

 

(أخبار سوريا الوطن)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

خربة الريح… ودهشتي من عظمة الأرواح

بقلم: المهندس محمود محمد صقر     للطبيعة لغةٌ لا يسمعها العابرون على عجل؛ همسٌ بين الصخور، وريحٌ تحمل من ذاكرة الأرض ما تعجز الكلمات ...