بقلم: المهندس محمود محمد صقر
للطبيعة لغةٌ لا يسمعها العابرون على عجل؛ همسٌ بين الصخور، وريحٌ تحمل من ذاكرة الأرض ما تعجز الكلمات عن قوله. وفي بلادي، حيث تعانق الجبال الغيوم، ثمة قرى لا تمنحك جمالها فحسب، بل تفتح في روحك نافذةً على الحياة.
منها قرية اسمها خربة الريح.
على قمة أحد جبالها، جلست إلى رجل عرفته قبل سبع سنوات. وحين عدت إليه، عانقني كأن الغياب لم يكن إلا استراحةً قصيرة في عمر المحبة.
كان ينحت الحجر بيديه، ويبني بيوت الآخرين، ويعود إلى بيته محمّلًا بتعبٍ لا تساويه القروش التي يجنيها. بنى بيتًا لأحد المتنفذين في عهدٍ مضى، فسلبه الرجل حقه. واليوم، صار ذلك البيت زريبةً للأغنام.
روى لي حكايته، ثم قال بهدوء:
«الله يمهل ولا يهمل».
تأملته، فلم أرَ عاملًا أنهكه الشقاء، بل رأيت طودًا من الكرامة؛ كأن الجبل الذي يسكنه قد أقام في صدره، وكأن يديه اللتين روّضتا الحجر لم تستطع قسوة الحياة أن تنتزع منهما الطيبة.
ثم جاءت زوجته، وفي وجهها حنان الأمهات. كانت قد عانت مرضًا عصبيًا استدعى عمليتين في الدماغ، ومع ذلك أقبلت على ضيافتي بقلبٍ يتسع لما ضاقت به الحياة. أعدّت لي الزيتون واللبن والمكدوس وما تيسّر من خيرات بيتها، لأحملها إلى أهلي وأولادي.
لم آكل عندها، لكنني احتسيت قهوتها، وكان في فنجانها من الدفء والصدق ما لا تمنحه أفخم الموائد.
غادرت أحمل زادًا لأهلي، ودموعًا لي، وقلبًا ضاقت أضلاعه بما فاض فيه من حبّ هؤلاء الناس.
وفي الطريق، ظل الجبل خلفي، وبقي سؤال يؤلمني:
كيف استطاع حاكمٌ أن يجعل بعض الناس يدافعون عنه، حتى حين كانت حياتهم نفسها تدفع ثمن سلطانه؟
لعل الاستبداد يبلغ ذروته حين لا يعود الحاكم شخصًا في عيون الناس، بل يصبح وطنًا؛ فيختلط الاعتراض عليه بالخيانة، ويغدو الخوف من رحيله أكبر من الخوف على كرامة الإنسان.
للخوف أبواب كثيرة؛ يدخل أولًا همسًا، ثم تكبر في ظله الحكايات، حتى يغدو الوهم حقيقةً في العيون، ويصبح القيد في النفوس سورًا يحتمي به أصحابه. وحول السلطة، تنمو مصالح تشدّ بعض القلوب إليها، فيما تتعلق قلوب أخرى بصورةٍ صنعتها الوعود، أو ذاكرةٍ روّضها الخوف.
وهكذا قد يبلغ الاستبداد غايته الأشد قسوة: ألا يكتفي بأن يحكم الإنسان، بل أن يجعله يحرس سجنه، ويخشى أن تُفتح أبوابه.
وقد يرحل الحاكم، لكن ظلاله تبقى في العقول طويلًا؛ فالأبواب تُفتح بعد إغلاق، غير أن بعض النوافذ تظل موصدةً في الداخل.
تذكرت الرجل الذي بنى بيت المتنفذ. لقد سُرق أجره، لكن السنوات كشفت لي فرقًا لا تقيسه الأموال: ذاك ترك بيتًا انتهى إلى زريبة، وهذا ترك في قلبي بيتًا من المحبة لا تهدمه الأيام.
ليس خراب البيوت عدالةً كاملة، ولا يكفي أن يسقط الظالم بعد أن يضيع عمر المظلوم. العدالة أن يُصان عرق الإنسان قبل أن يصبح وجعه حكايةً تُروى. لكن الزمن يكشف أحيانًا هشاشة ما ظن أصحابه أنه خالد، ويُبقي من الإنسان ما عجز النفوذ عن شرائه.
على قمة خربة الريح، بين سكون الجبل وهمس الريح، تذكرت عصفور عيسى، والصبر والسكينة، والقناعة التي هي كنز الإنسان الذي لا يفنى.
القناعة ليست أن يرضى المرء بسرقة حقه، بل أن يعرف قيمة ما في يده، وألا يبيع روحه لما ليس في يده؛ أن يسعى إلى حقه دون أن يستعبد قلبه الطمع، وأن يتألم دون أن يسمح للألم أن يسرق منه قدرته على الحب.
فالسكينة ليست ألّا تعصف الريح بنا، بل ألّا نسمح لها أن تقتلع إنسانيتنا.
تلك المرأة التي أعدّت زادًا لأهلي لم تكن تعرف أنها منحتني أكثر من الطعام؛ لقد أعادت إلى قلبي شيئًا من الطمأنينة، وأيقظت فيه إيمانًا بأن الطيبة ما زالت ممكنة، وأن الإنسان يستطيع، رغم الفقر والمرض والخذلان، أن يمنح غيره ما لا تمنحه خزائن الأغنياء.
كم من أصحاب النفوذ استوطنوا قلوب الناس حتى خُيّل إليهم أنهم امتلكوها! وكم من أناس بسطاء ظلّت في قلوبهم مساحة لم تطأها سلطة، ولم يشترها مال، ولم يفسدها خوف.
هناك، فهمت أن الوطن ليس حاكمًا يطلب الولاء، ولا قصرًا يفرض الهيبة؛ الوطن هو هؤلاء الناس، وحقهم في حياة كريمة، وحق طيبتهم في ألّا تتحول إلى ثمن يدفعونه للآخرين.
عدت من خربة الريح، لكنني تركت شيئًا من قلبي على تلك القمة. بقي الرجل في ذاكرتي كالجبل، وبقيت زوجته كدفء بيتٍ لا يغلق بابه في وجه عابر، وبقيت الريح تمرّ فوق المكان كأنها تعرف أسرار البشر ولا تفشيها.
فبعض الناس لا يحتاجون إلى أن يرتفعوا فوق الجبال؛ يكفي أنهم، رغم كل ما انحنى في حياتهم، لم يسمحوا للجبل أن ينحني في داخلهم.
(موقع: أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن

