آخر الأخبار
الرئيسية » كلمة حرة » لا يعيب القوانين قدمها.. بل كثرة «الترقيع التشريعي»!

لا يعيب القوانين قدمها.. بل كثرة «الترقيع التشريعي»!

بقلم: محمد الخطيب

 

 

حين يتحوّل كل مؤتمر إلى ورشة لتفصيل القوانين على المقاس

خلال عملي الصحفي الطويل، وحضوري مئات الاجتماعات والفعاليات، كنت ألاحظ أن معظم الأنشطة تنتهي، كالمعتاد، بسيلٍ من التوصيات، غير أن أكثر ما أثار انتباهي هو التكرار المزمن للمطالبة بتعديل القوانين. وصار كل طرف يريد، عملياً، سنّ قانون مفصّل على مقاسه، وكأن القوانين تحوّلت إلى بدلات موسمية تُفصَّل بحسب رغبة الزبون، لا وفق مصلحة الدولة!

والأطرف أن هذه المطالب كانت تمرّ غالباً من دون أي تحفّظ من رعاة المؤتمرات والفعاليات، بل تُدوَّن في محاضر الجلسات، لتُرسل لاحقاً إلى الجهات الوصائية، حيث تتراكم التوصيات بعضها فوق بعض، حتى تكاد تحتاج إلى قانون خاص لتنظيم أرشيف المطالبات بتعديل القوانين!

المشكلة ليست في القانون، بل فيمن لم يقرأه!

والحقيقة أن معظم المؤتمرين المطالبين بالتعديل لم يطّلعوا أصلاً على نصوص القوانين النافذة؛ فبعضهم لم يقتنِها، وآخرون لم يقرؤوها، ولو فعلوا لاكتشفوا أن كثيراً مما يطالبون به موجود بالفعل في النصوص القانونية.

فكل شيء تقريباً منظّم بالقوانين والأنظمة: شؤون الدولة والمؤسسات، والعلاقات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والتربوية، بل حتى علاقات الناس بعضهم ببعض، وعلاقاتهم بمؤسسات الدولة. لكن يبدو أن بعض الناس يتعاملون مع القانون كما يتعاملون مع «كتالوج الأجهزة الكهربائية»: لا يفتحونه إلا بعد وقوع العطل!

الرواتب ليست مادة في قانون العقوبات!

وفي الواقع، وجدت أن معظم المسائل التي يسعى المطالبون إلى معالجتها لا تقع أصلاً ضمن نطاق القوانين التي يطالبون بتعديلها.

فإذا كانت المطالب تتعلق، في الغالب، بالرواتب والتعويضات والخدمات، وتأمين مستلزمات الزراعة والصناعة والتعليم والاستيراد والتصدير، فإنها تُعالج عادةً بمراسيم وقرارات إدارية، لا بإعادة كتابة القوانين الأساسية للدولة من جديد!

لكن بعض المؤتمرات كانت تتعامل مع التشريع وكأنه «زر إعادة تشغيل شامل»، يكفي الضغط عليه لحلّ الأزمات الاقتصادية والمعيشية والإدارية كلها دفعة واحدة!

قوة القانون في ثباته، لا في كثرة ترقيعه

وعلى المطالبين بالتعديل أن يدركوا أن قوة القانون تكمن في استقراره وثباته؛ لأن كثرة التعديلات تُضعف هيبته وتربك تطبيقه.

فقوانين العقوبات والمدني والتجاري تعود في أصولها إلى عام 1949، ومع ذلك، ما تزال تشكّل قاعدة قانونية متماسكة، يدرك رجال القانون قيمتها أكثر من غيرهم.

فالقانون ليس تطبيقاً هاتفياً يُحدَّث كل أسبوع، ولا برنامجاً تجريبياً يخضع للتعديل مع كل مزاج إداري أو مطلب موسمي!

تفريخ قوانين.. حتى ضاع القاضي بين الفروع!

واللافت أن بعض التعديلات التي طالت القوانين لم تكن مرتبطة بمطالب المؤتمرات الشعبية أو المهنية، بل كانت أقرب إلى عملية «تفريخ تشريعي» لقوانين جديدة أحدثت ارتباكاً كبيراً لدى رجال القانون، من قضاة ومحامين وإداريين.

فأصبحت كل قضية تحتاج إلى رحلة بحث طويلة بين التعديلات والاستثناءات والقوانين الخاصة المتفرعة عن القوانين العامة.

وبات لدينا اليوم قوانين كثيرة، منها قوانين الحراج، والعلاقات الزراعية، والإيجار، وإزالة الشيوع، ومكافحة المخدرات، والجمارك، والإعلام، والمنظمات الشعبية، والنقابات المهنية…

حتى أصبح المحامي يحتاج أحياناً إلى «خريطة تشريعية» أكثر من حاجته إلى ملف الدعوى نفسه!

القانون الخاص يُقدَّم على القانون العام!

وتطبيقاً للقاعدة القانونية: «إن القانون الخاص يُقدَّم على القانون العام»، ضاقت مساحة تطبيق القوانين العامة بسبب التوسع المستمر في إصدار قوانين خاصة لكل حالة تقريباً.

وفي كثير من الأحيان، كان يمكن معالجة المشكلة ببساطة، عبر تعديل مادة أو مواد محددة في القانون العام وتشديد العقوبة فيها، بدلاً من إصدار قانون جديد بالكامل يضيف مزيداً من التعقيد والازدواجية.

لكن يبدو أن بعض الجهات كانت تعدّ إصدار قانون جديد إنجازاً بحد ذاته، حتى لو انتهى الأمر بتحويل المكتبة القانونية إلى متاهة تشريعية!

كثرة القوانين لا تعني كثرة العدالة

إن كثرة التعديلات وتعدد القوانين الجديدة أدّيا إلى تراجع التطبيق الفعلي لبعض القوانين على أرض الواقع، وإلى تجاوز تطبيق بعضها اختصاراً للوقت والجهد، فضلاً عن الارتباك الناجم عن كثرة النصوص والتعديلات، والبحث الطويل والعقيم بينها.

فنحن مع التعديلات الضرورية التي تدرسها لجان قانونية مستقلة، وتقرّها سلطة تشريعية حقيقية، بما ينسجم مع مصلحة البلد ومتطلبات التطور العالمي. لكننا لسنا مع تحويل التشريع إلى استجابة فورية لمطالب محلية ضيقة أو مصالح ذاتية، حتى لو صدرت عن أعضاء نافذين في السلطات الحكومية أو التشريعية أو الشعبية.

الخلاصة

الدولة القوية لا تُدار بقوانين متبدلة كل موسم؛ فالقانون الناجح ليس ذلك الذي يُعدَّل باستمرار، بل الذي يُصاغ جيداً، ويُطبَّق بعدالة، ويحافظ على استقراره وهيبته.

أما الإفراط في التعديلات، فغالباً ما يحوّل العدالة إلى متاهة، ويجعل المواطن والقاضي والمحامي جميعاً يبحثون عن مخرج منها

(موقع: أخبار سوريا الوطن)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

سوريا أمام التحوّل الإقليمي: بين خرائط النفوذ واستعادة القرار

    بقلم:د. سلمان ريا   لا تتغير خرائط المنطقة دائماً على وقع المعارك وحدها؛ أحياناً تبدأ التحولات الأعمق حين تتبدل قواعد الأمن، وتتراجع الثقة ...