على متن قارب صغير في المتوسط قبالة مدينة غار الملح بمحافظة بنزرت شمال تونس، لم يعد الصياد التونسي حاتم المكي يرى البحر كما عرفه طوال أكثر من أربعة عقود. فالشباك التي كانت تعود محمّلة بأنواع السمك والأخطبوط، أصبحت في كثير من الرحلات تعود بكميات أقل، أو بأنواع لم تكن جزءاً من الصيد التقليدي في المنطقة.
المكي، الذي أمضى أكثر من 40 عاماً في مهنة الصيد، يقول لـ”النهار” إن الصياد الذي كان يجد في البحر ما يكفي لتأمين دخله، لم يعد يحصل اليوم على الكميات نفسها أو الأنواع التي اعتاد اصطيادها، لافتاً إلى أن التغيّر لا يقتصر على كمية المصيد، بل يشمل أيضاً أماكن وجود الأسماك ومواسم ظهورها. ويوضح: “غيّرت الأسماك أماكنها، فقد نقصد نقطة معينة لصيد نوع محدد من السمك، فنجد نوعاً آخر”.
كذلك، يشير المكي إلى أن أنواعاً جديدة بدأت تظهر في غير مواسم وفرتها المعتادة، في وقت تراجعت كميات بعض الأنواع التي اعتاد الصيادون العثور عليها.
ولا تتوقف ملاحظات المكي عند الكميات والمواقع والأنواع، إذ يتحدث أيضاً عن تغيّر في مذاق بعض الأسماك التي يصطادها. يقول: “سابقاً، كان للسمك الذي نصطاده مذاق لذيذ، وكانت رائحته تفوح عند طبخه أو شيّه، واليوم باتت أنواع كثيرة بلا مذاق”.
ارتفاع حرارة المياه
تتزامن هذه الملاحظات التي ينقلها صيادون تونسيون من البحر مع تغيرات بيئية ومناخية يشهدها البحر الأبيض المتوسط، وتؤكدها دراسات متخصصة، من بينها ارتفاع حرارة مياهه.
فقد ارتفعت درجات حرارة المياه في المتوسط في السنوات الأخيرة، فيما سجلت المنطقة خلال صيف 2026 درجات حرارة قياسية، بلغت نحو 30 درجة مئوية في خليج قابس بتونس.
وتثير الزيادة المستمرة في حرارة المياه مخاوف بشأن تأثيراتها على الأنظمة البيئية البحرية، في وقت تتوقع فيه نماذج المناخ ارتفاعاً إضافياً في درجات حرارة البحر خلال العقود المقبلة.
ويقول المكي إن الصيادين يلمسون بعض هذه التحولات في عملهم اليومي، “فلم تعد معرفة مواقع الصيد التي اكتسبوها عبر سنوات من الخبرة كافية دائماً لتحديد أماكن وجود الأنواع التي اعتادوا اصطيادها”.
ومع تغير درجات حرارة المياه، تتغير الظروف التي تعيش فيها الكائنات البحرية، وهذا يمكن أن ينعكس على توزيع بعض الأنواع ومواسم ظهورها.
أسماك جديدة تغزو المتوسط
لكن التغيّر الذي يلاحظه الصيادون لا يرتبط بدرجات الحرارة وحدها: أصبحت أنواع دخيلة من الأسماك والقشريات والأعشاب جزءاً من المشهد البحري في عدد من المناطق التونسية.
ففي جزيرة قرقنة بمحافظة صفاقس وسط تونس، يتحدث صيادون عن انتشار السلطعون الأزرق في الأعوام الأخيرة بكميات كبيرة، وعن الأضرار التي يلحقها بشباك الصيد. ويقول نور الدين بن أحمد، أحد صيادي الجزيرة، لـ”النهار”، إن هذا النوع الذي لم يكن مألوفاً سابقاً في السواحل التونسية، يمزق الشباك ويتغذى على الأسماك الموجودة فيها، وهذا يسبب خسائر فادحة للصيادين.
وبات الصيادون في تونس يطلقون على السلطعون الأزرق اسم “داعش”، بسبب قدرته الكبيرة على التكاثر وإلحاق الضرر بالشباك، وفق المكي.
وفي المياه التونسية، ظهر السلطعون الأزرق منذ 2014، وفق ما أكده الخبير المتخصص في مصايد الأسماك وتربية الأحياء المائية فتحي النوفي في تصريح سابق لـ”النهار”، قائلاً إن هذا النوع، الذي يعود موطنه الأصلي إلى المحيطين الهندي والهادئ، يُرجّح أنه دخل المتوسط عبر قناة السويس، قبل أن يتكاثر بسرعة في مناطق ساحلية عدة بحوض المتوسط.
وبمرور الوقت، بدأ بعض الصيادين في التعامل مع السلطعون الأزرق باعتباره مورداً جديداً، بدلاً من النظر إليه كآفة فحسب. ويقول بن أحمد إن الصيادين “يستفيدون منه تجارياً، بعدما تحوّل إلى جزء من غنائمهم في بعض المناطق”.
كما ساهمت منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة “فاو”، من خلال برامج تدريب ومساعدة، في دعم بعض الصيادين لتغيير معداتهم واستغلال السلطعون تجارياً، فيما فتحت بعض المصانع أبوابها لتصدير هذا النوع من القشريات.
المتوسط يتغير
ولا تقتصر التحولات التي يرصدها الصيادون على الأسماك والقشريات، إذ يتحدث المكي أيضاً عن ظهور أنواع جديدة من الطحالب البحرية في مناطق لم تكن مألوفة فيها سابقاً.
وتشير الدراسات العلمية إلى أن تغير المناخ يمكن أن يزيد من آثار الغزو البيولوجي في البحر المتوسط، وهذا بحر شبه مغلق يتأثر بسرعة بالتغيرات البيئية. ويقول النوفي إن المتوسط يضم أكثر من 11 ألف نوع من الكائنات، ويُعد تاريخياً واحداً من أكثر النظم البيئية البحرية تنوعاً وثراءً في العالم.
وبالنسبة إلى الصيادين، لا تظهر التحولات في حوض المتوسط في ما تكشفه الدراسات والأرقام وحدها، بل في ما يعاينونه يومياً في البحر. فمن فوق قاربه، يلخّص المكي ما يراه في المياه بعد عمر قضاه في مهنة الصيد قائلاً: “البحر لم يعد كما كان”.
أخبار سوريا الوطن١-وكالات-النهار
syriahomenews أخبار سورية الوطن

