في زاوية «نبض التراث» لهذا الأسبوع صفحة من ذاكرة حماة، حيث تدور النواعير على ضفاف العاصي شاهدةً على علاقة امتدت قروناً بين الإنسان والماء والمدينة، وعلى خبرة هندسية تحولت مع الزمن إلى جزء أصيل من المشهد الثقافي السوري.
ومنذ قرون، رفعت هذه العجلات الخشبية مياه النهر إلى البساتين والأحياء والمنشآت، فجمعت بين الحاجة اليومية والحل الهندسي، ثم تجاوز حضورها وظيفتها المائية لتصبح من أكثر العلامات التصاقاً بصورة حماة وذاكرتها.
ولا يقتصر إرث النواعير على مشهدها القائم فوق النهر، فالمصادر التاريخية والدراسات الأثرية والهندسية تحفظ شواهد متعددة على تطور هذه التقنية واستمرارها عبر عصور مختلفة، بينما يبقى تاريخ ظهورها الأول في منطقة حماة غير محسوم بصورة دقيقة.
شاهد من القرن الخامس الميلادي
وبحسب قاعدة «اكتشف الفن الإسلامي» التابعة لمؤسسة «متحف بلا حدود» الثقافية في النمسا، تعود إحدى أقدم الصور المعروفة لناعورة في المنطقة إلى فسيفساء اكتشفت في مدينة أفاميا، على مسافة نحو 55 كيلومتراً شمال حماة، ويرجع تاريخها إلى عام 469 ميلادية، كما تشير القاعدة إلى أن استخدام العجلات المائية في سوريا معروف منذ العصور الكلاسيكية والهلنستية، مع توسع حضورها وتطورها خلال العصور الإسلامية.
وتوضح الجمعية الأمريكية للمهندسين الميكانيكيين أن الناعورة تستمد طاقتها من جريان النهر نفسه، فتمتلئ الحجرات أو الدلاء المثبتة على محيط العجلة بالماء أثناء دورانها، ثم تفرغه عند الجزء العلوي في قناة تتولى نقله إلى أماكن الاستخدام، سواء للري أو لتزويد المدن بالمياه.
النواعير في ذاكرة النصوص
ولم تبق النواعير جزءاً من تاريخ التقنية وحده، فقد دخلت مبكراً إلى كتب الرحلات والجغرافيا والأدب.
وتوضح دراسة للباحثين سالم محمد بشر الجيجكلي وعبير محمد وحيد عرقاوي، نشرتها المجلة العلمية لجامعة الملك فيصل عام 2020، أن النصوص العربية القديمة والشعر وسجلات المحاكم العثمانية تقدم مادة مهمة لفهم شكل النواعير ومكوناتها وآلية عملها وتحولاتها عبر الزمن.
وتذكر الدراسة أن مشاهدات رحالة، من بينهم ابن جبير وابن بطوطة، دخلت ضمن المراجع التي استند إليها الباحثون في دراسة نواعير العاصي، وتكشف أوصاف الرحالة عن مدينة اقترنت بساتينها ونهرها ودواليبها المائية في صورة واحدة.
كما سجل المؤرخ والجغرافي أبو الفداء، أحد حكام حماة في العصر الأيوبي، حضور النواعير ودورها في ري بساتين حماة وإيصال المياه إلى عدد من دورها، وحفظت مصادر أخرى وصف الرحالة العثماني أوليا جلبي ضخامة هذه المنشآت وانتقال مياهها عبر القنوات إلى الدور والحمامات والمساجد والخانات.
المحمدية.. هندسة باقية
وتأتي ناعورة المحمدية في حي باب النهر بين أبرز شواهد هذه المنظومة، ويؤرخ نقش منشآتها إلى سنة 763 للهجرة، الموافقة عام 1361 ميلادية، ويبلغ قطر العجلة نحو 21 متراً.
وكانت قناتها تنقل المياه باتجاه منطقة الجامع الكبير على مسافة تقارب كيلومتراً من النهر، بينما تعود ناعورة المأمورية، وهي من النواعير الكبيرة أيضاً، إلى سنة 867 للهجرة، الموافقة عام 1453 ميلادية.
وحظيت المحمدية باهتمام هندسي دولي عندما أدرجتها الجمعية الأمريكية للمهندسين الميكانيكيين عام 2006 ضمن معالم الهندسة الميكانيكية التاريخية، في تقدير لقيمتها التقنية والتاريخية واعتمادها على طاقة جريان النهر لرفع المياه.
حرفة درستها الهندسة
شكلت طريقة صناعة النواعير وتركيبها موضوعاً لبحث علمي متخصص، ففي عام 1997 صدر عن المعهد الفرنسي للدراسات العربية بدمشق كتاب «نواعير العاصي: تحليل تقني لعنصر من التراث السوري» للباحثين أنات دلبش وفرانسوا جيرار وجيرار روبين ومحمد رومي، متضمناً رسوماً وخرائط وصوراً ودراسة تقنية لهذه المنشآت.
وتشير المراجع إلى أن العجلة تُصنع أساساً من الخشب، بينما تشيد القنوات والدعامات بالحجر، وتتطلب عملية بنائها معرفة دقيقة بحركة الماء وأبعاد العجلة ومنسوب القناة.
كما تختلف قدرة النواعير على رفع المياه تبعاً لحجم المنشأة وقوة الجريان والظروف المحيطة بها، وهو ما يكشف عن خبرة متراكمة في المواءمة بين خصائص النهر وحاجات المدينة الزراعية والعمرانية.
النواعير.. صوت حماة الباقي
وتحفظ نواعير حماة في تكوينها أكثر من فصل من تاريخ المدينة، فهي أثر لهندسة الماء، وشاهد على خبرة حرفيين تعاملوا مع الخشب والحجر والنهر ضمن منظومة واحدة، وموضوع وجد طريقه إلى كتب الرحالة والباحثين والأدباء.
وبين وظيفة قديمة رفعت مياه العاصي إلى مستوى المدينة، وقيمة ثقافية ترسخت عبر القرون، بقيت النواعير جزءاً من هوية حماة المرئية والسمعية، ودليلاً على قدرة الإنسان على تحويل حركة الماء إلى أداة للحياة وذاكرة تتوارثها الأجيال.
اخبار سورية الوطن 2_سانا
syriahomenews أخبار سورية الوطن

