آخر الأخبار
الرئيسية » كلمة حرة » حين يتجاوز الإعلامي قواعد المهنة: من يعلّم من؟

حين يتجاوز الإعلامي قواعد المهنة: من يعلّم من؟

 

أسيمة حسن

 

 

لستُ مع بولا يعقوبيان، ولستُ مع مارسيل غانم، ولا أرى في هذا السجال مناسبة للاصطفاف مع أحدهما ضد الآخر. فالمسألة، بالنسبة إليّ، أكبر من شخصين أو محطة أو برنامج؛ إنها تتعلق بسؤال أكثر خطورة: أي إعلام نريد أن نعلّم أجيالنا القادمة؟

بحسب ما أوردته تقارير عن السجال الذي جرى في 24 و25 أيلول 2026، انتقل الخلاف بين غانم ويعقوبيان من مساحة الاختلاف السياسي والإعلامي إلى عبارات شخصية جارحة ومتبادلة، على الهواء وعبر المنصات.

 

وهنا تحديداً تبدأ المشكلة.

 

أن تقول: «لا إعلام حيادياً»، لا يعني أن الإعلام بلا أخلاق. وأن يكون الإعلامي صاحب موقف سياسي أو فكري، ليس رخصة لإسقاط المهنية. كما أن حرية التعبير لا تعني أن يتحول المنبر الإعلامي إلى ساحة لتصفية الحسابات الشخصية.

 

الإعلام الحقيقي لا يُقاس بارتفاع الصوت، ولا بحدة السخرية، ولا بقدرة صاحبه على إحراج ضيف أو خصم، بل بقدرته على الفصل بين نقد الفكرة وإهانة صاحبها، وبين كشف الوقائع وتشويه الأشخاص، وبين الموقف المهني والخصومة الشخصية.

 

والأكثر إيلاماً أن يتحول هذا السلوك إلى نموذج يُقدَّم للأجيال الجديدة باسم «مدارس الإعلام» و«خبرة المهنة». فكيف نعلّم طالب الإعلام التحقق، والموضوعية، والتوازن، واحترام الإنسان، ثم نمارس أمامه عكس ذلك عندما يشتد الخلاف؟

 

لا مشكلة في أن يكون الإعلام منحازاً إلى قضية، لكن المشكلة أن يصبح منحازاً إلى الانفعال.

 

ولا مشكلة في أن ينتقد الإعلامي سياسياً، لكن المشكلة تبدأ حين يتحول النقد إلى تجريح.

 

ولا مشكلة في أن يختلف مع ضيف أو سياسي، لكن المشكلة حين يصبح الشخص نفسه مادةً للخلاف، بدلاً من أن تبقى الأفكار والمواقف والسياسات هي موضوع النقاش.

 

أما الحرية، فهي ليست بطاقة مفتوحة لكل من امتلك ميكروفوناً أو شاشة. الحرية الإعلامية مسؤولية قبل أن تكون امتيازاً، وكلما اتسع المنبر، اتسعت معه مسؤولية صاحبه.

 

ولستُ هنا في وارد الدفاع عن يعقوبيان، ولا تبرئة غانم، ولا محاكمة قناة MTV؛ فلكل طرف حقه في الرد والدفاع عن نفسه. لكن ما يعنيني هو النموذج المهني الذي يراه جيل كامل أمامه، وما الذي يتعلمه منه.

 

لأن الخسارة في هذه المعركة ليست لغانم ولا ليعقوبيان.

 

الخسارة الحقيقية أن نُخرّج أجيالاً تعتقد أن قوة الإعلام تكمن في الشتيمة، وأن الجرأة تعني التجريح، وأن مقولة «لا إعلام حيادياً» تعني بالضرورة «لا قواعد مهنية».

 

وهنا لا يعود السؤال: من انتصر في السجال؟

 

السؤال الأكثر قسوة هو: من الذي خسر الإعلام؟

 

والجواب المؤلم: عندما يسقط احترام الإنسان من قاموس المهنة، يخسر الجميع… حتى أولئك الذين يظنون أنهم يعلّمون الآخرين كيف يكونون إعلاميين.

 

(أخبار سوريا الوطن)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حين يصبح عدد المتابعين أقوى من المعلومة..!

    أسيمة حسن   لم تعد الصحافة وحدها تنقل ما يحدث في الشارع. خلال السنوات الأخيرة، ظهر لاعب جديد وبقوة على المشهد الإعلامي: المدوّن ...