يدخل العراق مرحلة حاسمة في التعامل مع أزمة التلوث البيئي، مع تصاعد التحذيرات الرسمية من تدهور نوعية المياه واتساع مصادر التلوث في نهري دجلة والفرات. ويأتي ذلك وسط توجه حكومي جاد لاتخاذ إجراءات استثنائية قد تصل إلى حد إعلان “حالة الطوارئ البيئية”، في وقت تتزايد فيه المخاوف الشعبية والرسمية من الانعكاسات الكارثية للتلوث على الصحة العامة، والأنظمة البيئية، والثروة المائية.
تحذيرات من “كارثة” وحراك برلماني عاجل
حذّرت وزيرة البيئة العراقية، سروة عبد الواحد، من تفاقم الوضع الراهن، مؤكدة أن البلاد تقف على أعتاب “كارثة بيئية”، ومشيرة إلى أن استمرار معدلات التلوث الحالية قد يجعل مقومات الحياة في العراق أكثر تعقيداً خلال العقود المقبلة.
وتُرجع وزارة البيئة أسباب هذا التدهور إلى مصادر تلوث متعددة، أبرزها مياه الصرف الصحي، والمخلفات الصناعية والطبية والزراعية، فضلاً عن التصريف المباشر في مجاري الأنهار. وتتركز المخاوف بشكل أكبر في المناطق التي تفتقر إلى محطات معالجة كافية لمياه الصرف قبل طرحها في المسطحات المائية.
ولا تأتي هذه التحذيرات بمعزل عن حراك مؤسسي؛ إذ صوّت مجلس النواب العراقي، في 24 أيلول/سبتمبر الجاري، على توصيات اللجنة النيابية الخاصة بالتحقيق في أسباب تلوث مياه نهر دجلة وتحديد الجهات المتسببة فيه. بالتزامن مع ذلك، دعا رئيس البرلمان إلى التسريع في تنفيذ المشاريع الحيوية لحماية الثروة المائية، وتشكيل فريق عمل حكومي مشترك بين وزارتي البيئة والموارد المائية لمتابعة هذا الملف العاجل.
المصبات العشوائية.. تلوث من المنبع ومخاطر على الجنوب
وتكشف الفحوصات والدراسات البيئية عن تفاوت في مستويات التلوث بين المحافظات العراقية، مع تسجيل مؤشرات بكتيرية وكيميائية مرتفعة، وزيادة في الأحمال التلوثية في مقاطع مختلفة من نهري دجلة والفرات، ولا سيما بالقرب من التجمعات السكانية والمناطق التي تشهد تصريفاً عشوائياً لمياه الصرف والمخلفات.
وتزداد حدة المشكلة في المحافظات الجنوبية، حيث يتفاقم التلوث بالتزامن مع انخفاض الإطلاقات المائية وارتفاع معدلات الملوحة، مما يُضعف قدرة الأنهار على التخفيف الطبيعي من تركيز الملوثات، ويزيد الضغوط الهائلة الواقعة على مصادر المياه والأنظمة البيئية الهشة.
البيئة: المعالجة تبدأ من المنبع وتأهب لـ “طوارئ بيئية”
وفي تصريح خاص لـ”النهار”، يقول المتحدث باسم وزارة البيئة العراقية، لؤي المختار، إن “معالجة تلوث نهري دجلة والفرات تتطلب بالضرورة إيقاف مصادر التلوث من المنبع، بالتزامن مع تكثيف عمليات الرصد والمراقبة النوعية للمياه”. وأضاف أن “الوزارة تعمل بشكل مستمر على رصد أي ارتفاع في نسب الملوثات، وتطلق إنذارات فورية للجهات المعنية لاتخاذ الإجراءات الرادعة”.
ويوضح المختار أن “التلوث يمثل خطراً بيئياً وصحياً متصاعداً، خصوصاً مع استمرار التصريف الجائر لمياه الصرف الصحي والمخلفات في الأنهار”، مشدداً على أن “المعالجة لا يمكن أن تقتصر على التعامل مع النتائج فحسب، بل يجب أن تنطلق من إيقاف مصادر التصريف ومعالجة المياه قبل وصولها إلى المجاري المائية”.
ويشير إلى أن الوزارة تعمل، بالتنسيق مع مختلف الجهات الحكومية، على رفع كفاءة محطات معالجة مياه الصرف الصحي، وتشديد الرقابة على القطاعات المتسببة بالتلوث، فضلاً عن وضع آليات صارمة لمحاسبة المقصرين في تنفيذ المعالجات، لافتاً إلى أن “الالتزام بالمعايير البيئية يجب أن يكون معياراً أساسياً في تقييم أداء المؤسسات والمسؤولين عنها”.
ويحذّر المختار من أن “استمرار مصادر التلوث دون معالجة جذرية سيؤدي حتماً إلى تفاقم المخاطر على نوعية المياه، والنظم البيئية، والثروة السمكية، فضلاً عن الانعكاسات الكارثية المحتملة على الصحة العامة”. ويؤكد أن المرحلة الحالية “تتطلب استجابة حكومية عاجلة وسريعة، ترتكز على بيانات وفحوصات دقيقة، وتحديد واضح لمصادر التلوث والجهات المتسببة بها”.
ويتابع قائلاً: إن “التوجه نحو إعلان حالة الطوارئ البيئية، وإطلاق منصة الرصد والاستجابة للبلاغات البيئية، يمثلان جزءاً من الحراك الحكومي الهادف إلى نقل ملف التلوث من مرحلة التشخيص إلى المعالجة الفعلية، وذلك عبر التوثيق الدقيق لمصادر التلوث، وتحديد مواقعها الجغرافية، وربطها بالجهات المختصة لاتخاذ الإجراءات القانونية”.
ومع تصاعد هذه التحذيرات الرسمية، تُطرح تساؤلات جوهرية حول حجم التلوث الفعلي الذي يصل إلى مصادر مياه الشرب، ومدى كفاءة محطات التصفية الحكومية في التعامل مع الملوثات المعقدة، فضلاً عن الجدية الحقيقية للجهات الرقابية في إيقاف المصبات العشوائية ومحاسبة المتسببين.
ويضع هذا المشهد الحكومة العراقية أمام ملف شائك ومتعدد الأبعاد؛ يبدأ بالكشف الشفاف عن مصادر التلوث المثبتة ونتائج الفحوصات المختبرية الدقيقة، مروراً بتحديد المناطق الأكثر تضرراً وأسباب التلوث، وصولاً إلى اتخاذ إجراءات عاجلة وحاسمة لحماية مياه الشرب وإيقاف التلوث من المنبع.
خبراء: خطة طوارئ وطنية أو مواجهة “أزمة طاحنة”
وفي السياق ذاته، يحذر الخبير في الشؤون البيئية والمائية، أحمد الساعدي، في حديث لـ”النهار”، من “خطورة استمرار تلوث مصادر المياه في العراق في ظل غياب إجراءات حكومية رادعة وعاجلة”، مؤكداً أن “التأخر في معالجة مصادر التلوث قد يقود البلاد إلى أزمة بيئية وصحية طاحنة يصعب احتواؤها مستقبلاً”.
ويوضح الساعدي أن “المشكلة لا تقتصر على وجود الملوثات داخل الأنهار فحسب، بل تكمن في الاستمرار بضخ مياه الصرف الصحي والمخلفات الصناعية والزراعية والطبية في المسطحات المائية، بالتزامن مع الانخفاض الحاد في مناسيب الأنهار؛ مما يؤدي إلى تضاعف تركيز الملوثات ومضاعفة المخاطر المحدقة بالبيئة والصحة العامة”.
ويبين أن “استمرار هذا الوضع لا يهدد نوعية المياه والأنظمة البيئية والثروة السمكية والزراعية فحسب، بل يرفع أيضاً من احتمالات تعرض السكان لمخاطر صحية جسيمة مرتبطة بالمياه الملوثة، لا سيما في المناطق التي تعتمد بشكل مباشر على مصادر مائية متأثرة”.
ويشدد الساعدي على أن “معالجة الأزمة تتطلب تحركاً حكومياً استثنائياً يبدأ بحصر جميع مصادر التلوث وإغلاق المصبات غير المعالجة، وإلزام المنشآت الصناعية والصحية والخدمية بمعالجة مخلفاتها قبل طرحها في الأنهار، إلى جانب تطوير البنية التحتية لمحطات الصرف الصحي وتشديد الرقابة والفحوصات المختبرية بشكل مستمر”.
ويضيف أن “الاكتفاء بتشخيص المشكلة أو السعي لمعالجة آثارها بعد وصول الملوثات إلى الأنهار لم يعد كافياً، ولهذا يتعين اعتماد خطة طوارئ وطنية واضحة تتضمن مسؤوليات محددة ومدداً زمنية ملزمة. فأي تأخير إضافي قد ينقل العراق من أزمة تلوث قابلة للاحتواء إلى كارثة بيئية أوسع وأكثر تعقيداً وكلفة باهظة على الدولة والمجتمع”.
وتأتي هذه التحذيرات في ظل تراكم مشكلات بيئية ومائية تضغط بشدة على الأنهار العراقية؛ إذ سبق لوزارة البيئة أن وثقت بؤراً للتلوث وتصريفاً مباشراً لمياه الصرف الصحي والمخلفات الصناعية في نهر دجلة داخل العاصمة بغداد، ما يعكس جانباً من المشكلة المزمنة المرتبطة بتدفق الملوثات إلى مصادر المياه.
وبينما تتجه الحكومة نحو وضع حلول زمنية وتشديد آليات مراقبة مصادر التلوث، يبقى التحدي الأكبر متمثلاً في إيقاف الملوثات من المنبع قبل وصولها إلى الأنهار، ومعالجة مياه الصرف الصحي، وتطبيق القانون بصرامة على المنشآت والقطاعات المخالفة، مع ضمان ديمومة الفحوصات المختبرية لمياه دجلة والفرات وشبكات مياه الشرب.
أخبار سوريا الوطن١-وكالات-النهار
syriahomenews أخبار سورية الوطن

