آخر الأخبار
الرئيسية » تربية أخلاقية وأفعال خيرية » تحوّلات الهوية الدينية تنعكس على شعبية «ماغا» | «جيل زي»: مملكتي ليست من هذا العالم!

تحوّلات الهوية الدينية تنعكس على شعبية «ماغا» | «جيل زي»: مملكتي ليست من هذا العالم!

 

علي عواد

 

 

يتجاوز هجوم إدارة دونالد ترامب على البابا ليو الرابع عشر حدود الخلاف الشخصي إلى صراع ثلاثي واضح: أولاً بين قومية «ماغا» وسلطة روما ذات النفوذ العالمي؛ ثانياً بين رأسمالية السوق وتعاليم كاثوليكية تنتقد التفاوت الاجتماعي؛ ثالثاً بين الإنجيلية الداعمة لإسرائيل وموجة كثلكة شبابية صاعدة تبحث عن معنى وهوية وجمال خارج المنظومة الرقمية الأميركية

 

 

في مساء الثالث عشر من نيسان (أبريل) الحالي، نشر الرئيس الأميركي دونالد ترامب منشوراً وصف فيه البابا ليو الرابع عشر بأنه «ضعيف في مواجهة الجريمة وكارثي على السياسة الخارجية»، وأتبعه بصورة مُولَّدة بالذكاء الاصطناعي تُظهره في هيئة المسيح يشفي المرضى، اضطر إلى حذفها على إثر موجة استنكار وصلته من أنصاره قبل معارضيه.

 

وكتب على منصته: «لو لم أكن في البيت الأبيض، لما كان ليو في الفاتيكان». وانضم نائب الرئيس جي دي فانس، المتحول إلى الكاثوليكية والمُعلن ذلك، إلى الهجوم محذِّراً البابا من أن «يكون حذراً حين يتحدث في شؤون اللاهوت». هذه المواقف خلفها منطق متماسك يمتد عبر السياسة والاقتصاد وتحولات الهوية الدينية في الولايات المتحدة.

 

نمط متصاعد عبر بابويتين

تمتد جذور هذا العداء إلى ما قبل ترامب. توتر متراكم منذ عقود بين التعليم الاجتماعي الكاثوليكي ومنظومة اليمين الأميركي، بدأ الظهور في مواجهات ترامب مع البابا الراحل فرنسيس منذ عام 2016. حين زار الأخير الحدود المكسيكية الأميركية وأعلن أنّ مَن لا يهمه إلا بناء الجدران بدل الجسور «ليس مسيحياً»، وصف ترامب الموقف بـ«المعيب»، ثم سمّى البابا في اليوم التالي بـ«الرجل الرائع»، في إشارة إلى قدرة الطرفين آنذاك على احتواء التوتر في حدود ديبلوماسية.

 

ودخل نائب الرئيس فانس في مواجهة مع الكرسي الرسولي حول سياسات الترحيل الجماعي للمهاجرين، فأرسل إليه البابا فرنسيس رسالة مباشرة ذكّر فيها أن تلك السياسات «عار على الحضارة». ووصف وزير الدفاع (أو وزير الحرب كما يُحب)، بيت هيغسث، البابا فرنسيس قبيل وفاته بـ«الماركسي» بسبب مواقفه من الفقر والهجرة والرأسمالية.

 

انتخاب البابا ليو الرابع عشر في أيار (مايو) 2025 نقل الصراع إلى طور مختلف كلياً. أول بابا أميركي في تاريخ الكنيسة الكاثوليكية، أعلن منذ خطابه الأول أن برنامج بابويته يستند إلى «السلام الأعزل والمنزوع السلاح». حين هدد ترامب بأنّ «حضارة إيران ستموت الليلة» إن لم تقبل شروطه، وصف البابا تلك التهديدات بأنها «غير مقبولة على الإطلاق»، وأعلن: «لا أخشى إدارة ترامب، ولا أخشى أن أجهر برسالة الإنجيل». وتحذير فانس للبابا من «الحديث في شؤون اللاهوت» تحذير لافت، يصدر من كاثوليكي يوجّهه إلى رأس كنيسته.

 

ويُلخّص المؤرخ مايلز باتيندن من جامعة «أكسفورد» الموقف بقوله إن البابا ليو «شعر أن صمته سيُضعف مصداقيته للسلام». والكاهن اليسوعي جيمس مارتن يصف رد الفعل الكاثوليكي الأميركي بجملة واحدة: «البابا ممثّل الكنيسة كلها. الهجوم عليه هجوم على الكنيسة».

 

تحمل الكنيسة الكاثوليكية في تراثها اللاهوتي موقفاً نقدياً متراكماً من الرأسمالية غير المقيّدة

 

 

ثمة بُعد جيوسياسي يُكمل هذه الصورة. يُدير ترامب السياسة الخارجية من منطق مناطق النفوذ المستلهَم من عقيدة مونرو: أميركا تحكم مجالها، ولا تسمح لأي سلطة خارجية بالتأثير في شؤونها الداخلية. الفاتيكان، من هذا المنظور، سلطة أجنبية ذات نفوذ مباشر على سبعين مليون أميركي كاثوليكي، توجّه مواقفهم من الهجرة والحرب والاقتصاد. رغم ولادته في شيكاغو، يتكلم البابا ليو من موقع سلطة عالمية، وهذا ما يتعارض مع منطق مونرو في نسخته الترامبية. حين كتب ترامب «لو لم أكن في البيت الأبيض، لما كان ليو في الفاتيكان»، كان يُعلن ضمنياً أن البابا الأميركي ينبغي أن يكون أميركياً أولاً، وهو ما رفضه ليو منذ يومه الأول.

 

موجة الكثلكة في الولايات المتحدة

ما تغفله التغطيات المعتادة أنّ الكنيسة الكاثوليكية في الولايات المتحدة تعيش في الوقت نفسه لحظة نمو غير مسبوقة. في مطلع هذا القرن، كان يدخلها نحو 175 ألف أميركي بالغ سنوياً، وفق بيانات «مركز الأبحاث التطبيقية في الرسالة» (CARA) في جامعة «جورجتاون».

 

انخفض الرقم حتى بلغ 70 ألفاً عام 2020، ثم انقلب المسار بحدة. وفي عيد الفصح 2026، أفادت 71 أبرشية أميركية شملها استطلاع أجرته صحيفة «ناشيونال كاثوليك ريجيستر» بأن متوسط الزيادة في المتحولين الجدد إلى الكاثوليكية بلغ 38 في المئة مقارنةً بعام 2025، ولم تُسجّل سوى خمس أبرشيات انخفاضاً.

 

وقد صار عدد الداخلين إلى الكنيسة يفوق عدد التاركين لها للمرة الأولى منذ سنوات، وفق ما رصده «كاثوليك هيرالد» في آب (أغسطس) 2025، في ظاهرة يصفها الباحثون بأنها «غير مسبوقة في تاريخ الكاثوليكية الأميركية»، إذ دأبت الكنيسة تاريخياً على الكفاح لمجرد الإبقاء على أعضائها.

 

غالبية هؤلاء المتحولين الجدد في العشرينات والثلاثينات من أعمارهم، وكثير منهم من الجيل المسمّى «زي»، الذي وُلد رقمياً وتربّى على السوشال ميديا ووجد نفسه في فراغ معنوي ووجودي لا تملؤه الشاشات.

 

جيل يبحث عن معنى

هذا الجيل هو أول جيل نشأ كاملاً داخل المنظومة الرقمية: السوشال ميديا والخوارزميات وثقافة الاستهلاك المعلوماتي. وهو في الوقت نفسه الجيل الأعلى تسجيلاً في مؤشرات القلق والاكتئاب والعزلة. وأضافت سنوات الحجر في زمن كورونا طبقةً إضافية من العزلة والتساؤل الوجودي لدى جيل وجد نفسه فجأةً أمام شاشته وحيداً، يتساءل عن معنى ما يفعله. أخفقت المنظومة الرقمية في تلبية حاجة أساسية: الشعور بأنّ للحياة نظاماً ومعنىً ووجهةً.

 

وجد هذا الجيل في الكنيسة الكاثوليكية ما عجزت عنه المنصات الرقمية. هي بنية متكاملة للحياة اليومية: طقوس ثابتة، تقويم روحي ينظّم الأسبوع والسنة، مرجعية أخلاقية لا تتبدّل بحسب ما يروّج له الترند، وانتماء إلى جماعة حقيقية تلتقي في مكان واحد في وقت واحد. في عصر تفكّكت فيه الروابط الاجتماعية التقليدية وتشتّتت الهوية في الفضاء الرقمي، صارت هذه العناصر تمارس جاذبية لم تملكها الكنيسة منذ عقود.

 

جماليات الكنيسة الكاثوليكية

يُضاف إلى ذلك بُعد حسّي ذو أثر كبير. تُخاطب الكاتدرائية الكاثوليكية الحواس: قباب ترفع البصر إلى الأعلى، زجاج ملوّن يكسر الضوء على الأرض بأنماط متغيرة، بخور يفصل المكان عن الزمن الخارجي، موسيقى غريغورية تسري في الفضاء المعماري، أيقونات وجداريات تحكي قصصاً ملائكية. هذا الثراء الحسي المتكامل يجذب جيلاً اعتاد التعامل مع الجمال بصرياً وحسياً قبل أي شيء آخر.

 

والجاذبية لا تتوقف عند الكاتدرائية، تمتد إلى كل ما تحمله الكاثوليكية من بصريات: اللوحات الدينية الكبرى، والثياب الليتورجية بألوانها وتفاصيلها، والعباءات، والمسابح، والأيقونات البيزنطية الذهبية. الفتيات، بحسب التقارير، يجدن في هذا العالم البصري ما لم تمنحه إياهن ثقافة الصورة الاستهلاكية، فيما يجد الذكور في النماذج الكاثوليكية للرجولة – الفارس والشهيد والأب – مرجعية واضحةً لهوية تركتها الحداثة الرقمية بلا ملامح.

 

لفهم دلالة هذا التحول، لا بد من استحضار السياق الأميركي. البروتستانتية الإنجيلية هي الكنيسة المهيمنة تاريخياً على المشهد الديني في الولايات المتحدة، وهي التي شكّلت الهوية الدينية للغالبية البيضاء وأمدّت اليمين السياسي بقاعدته الانتخابية الأوسع منذ عقود. في هذا السياق، كانت الكاثوليكية دائماً الأقلية الكبرى، دين المهاجرين الإيرلنديين والإيطاليين واللاتينيين، في مقابل البروتستانتية التي أرسى دعائمها الآباء المؤسسون وشكّلت الهوية الأميركية منذ نشأتها.

 

من جهتها، اختارت الكنائس الإنجيلية التاريخية التبسيط المعماري انطلاقاً من موقف لاهوتي يُعلي الكلمة المنطوقة على الصورة، وكان ذلك موقفاً متماسكاً في سياقه الإصلاحي. سلكت الكنائس الإنجيلية المعاصرة مساراً مختلفاً: قاعات تُشبه المسارح، إضاءة ليد، موسيقى بوب، شاشات ضخمة. هذا الفضاء يبدو للجيل الباحث عن «المُختلف» نسخةً دينية من المنظومة الاستهلاكية الرأسمالية نفسها التي يسعى إلى الخروج منها، فيما تقول الكاتدرائية الكاثوليكية لزائرها شيئاً مغايراً: أنت في مكان ليس من هذا العالم.

 

البابا والاقتصاد

ثمة أيضاً بُعد اقتصادي يجعل الصراع مع إدارة ترامب أكثر حدةً. تحمل الكنيسة الكاثوليكية في تراثها اللاهوتي موقفاً نقدياً متراكماً من الرأسمالية غير المقيّدة، يمتد منذ رسالة «ريروم نوفاروم» (الأشياء الجديدة – الرسالة البابوية التأسيسية في الشأن الاجتماعي، أصدرها لاوون الثالث عشر عام 1891 في عز الثورة الصناعية) التي طالب فيها البابا لاوون الثالث عشر بأجر معيشي عادل وحق العمّال في تأسيس النقابات، مروراً بيوحنا بولس الثاني الذي أعلن أنّ «الكنيسة رفضت دائماً جعل السوق المنظِّمَ الأعلى للحياة الاجتماعية»، وصولاً إلى رسالة «لاوداتو سي» (رسالة البابا فرنسيس البابوية عام 2015 في الشأن البيئي والاقتصادي، وعنوانها مستلّ من صلاة القديس فرنسيس الأسيزي: «كُنْ مُسَبَّحًا») التي ربطت الأزمة البيئية بالأزمة الاقتصادية ووصفت الاحترار المناخي عرَضاً لمشكلة أعمق هي لامبالاة العالم المتطور بتدمير الكوكب من أجل نمو قصير الأمد. البابا فرنسيس وليو من بعده يسيران في هذا التقليد حين يُعلنان نقداً لرأسمالية تُضخّم ثروات القلة وتُفقر الكثرة وتستنزف الطبيعة.

 

فارق لاهوتي يجعل الكاثوليكية ومشروع الصهيونية المسيحية على طرفي نقيض

 

الجيل الأميركي الشاب الذي يئنّ من غلاء الإيجارات وانعدام الأمن الوظيفي، والذي دخل سوق العمل في عالم ما بعد كورونا بديون الجامعة على كتفيه وأسعار المساكن خارج متناوله، يسمع في هذا الخطاب ما تعجز عن تقديمه إدارة تُخفّض الضرائب على المليارديرات وتُلغي شبكات الأمان الاجتماعي. تمنحه الكنيسة المعنى الروحي والنقد الاقتصادي في آنٍ واحد. وللمرة الأولى في التاريخ الأميركي، صارت المؤسسة الدينية الأكثر جرأةً في انتقاد منطق السوق هي نفسها المؤسسة التي يتدفق إليها الشباب بأعداد متصاعدة، وهذا ما يجعل موقعها في المشهد الأميركي الراهن موقعاً استثنائياً لا سابق له.

 

ما لا تستطيع «ماغا» شراءه

العمود الفقري للقاعدة الانتخابية لترامب هو البروتستانت الإنجيليون، وهم تيار ديني يرتبط دعمه للمشروع الصهيوني بقناعة متجذرة: إقامة دولة إسرائيل جزء من الخطة الإلهية للخلاص، وهذه الإقامة شرط لاهوتي. في المقابل، تستند الكنيسة الكاثوليكية إلى موقف لاهوتي مختلف ومتجذّر منذ قرون: العهد الإلهي انتقل إلى الكنيسة باعتبارها الوريث الروحي، وتدمير الرومان للهيكل عام السبعين ميلادياً أغلق الباب أمام تأويل «إسرائيل» بمعناها الجغرافي السياسي في النص الديني. هذا الفارق يُسقط الأساس الذي تبنى عليه الصهيونية المسيحية في صيغتها الإنجيلية.

 

حين يتحول شاب أميركي إلى الكاثوليكية بحثاً عن معنى وجمال وانتماء، فهو لا يُفكر في السياسة الإسرائيلية. هذا التحول الجماعي يُسهم موضوعياً في تآكل القاعدة الثقافية التي ينهض عليها التحالف بين اليمين الأميركي والكنائس الإنجيلية. تهاجم إدارة ترامب مؤسسةً صارت تستقطب الأميركيين الشباب الذين كان التيار الإنجيلي يعدّهم جمهوره الطبيعي الحصري.

 

الهجوم على البابا تعبير عن قلق حقيقي في صميم اليمين الأميركي. ثلاثة تحولات متزامنة تضغط في اتجاه واحد: التحول الديموغرافي المتمثل في موجة الكثلكة، والتحول الوجودي للجيل الرقمي الباحث عن معنى خارج منطق السوق، والفارق اللاهوتي الذي يجعل الكاثوليكية ومشروع الصهيونية المسيحية على طرفي نقيض. من موقع الرئيس ترامب وبصفته زعيم تيار «ماغا»، يرى أنه في منافسة مع الكنيسة الكاثوليكية. روما لم تُهزم يوماً في الانتخابات، وهذا بالضبط ما يُقلق واشنطن.

 

 

 

أخبار سوريا الوطن١-الأخبار

x

‎قد يُعجبك أيضاً

صراع البابا والرئيس.. ترمب يجدد هجومه على ليو الرابع عشر

  تواصل السجال بين ⁠الرئيس الأمريكي دونالد ترمب وبابا الفاتيكان ليو الرابع عشر في مواجهة غير مسبوقة جاءت على خلفية تصاعد انتقاد ⁠البابا خلال الأسابيع ...