آخر الأخبار
الرئيسية » يومياً ... 100% » كيف سرّع “اقتصاد السوق” وتيرة انحسار الصناعة المحلية؟

كيف سرّع “اقتصاد السوق” وتيرة انحسار الصناعة المحلية؟

 

 

بقلم: مهند الزنبركجي

خبير التخطيط الاستراتيجي وإدارة المخاطر

 

 

لم تدخل الصناعة السورية مخاض التحول الاقتصادي من قاعدة إنتاجية مستقرة، بل جاء هذا التحول في سياق اقتصاد منهك بنيوياً بفعل تداعيات الحرب الطويلة، وإن تدمير جزء كبير من الأصول الإنتاجية، وتفكك سلاسل التوريد، ونزيف رأس المال البشري، أدى بالضرورة إلى تقليص الطاقة التشغيلية للقطاع الصناعي؛ مما جعل الانتقال نحو نموذج اقتصادي جديد ليس انتقالاً من “توازن” إلى “كفاءة”، بل ارتماءً من حالة اختلال عميق إلى انكشاف تام أمام قوى السوق.

 

صدمة الانفتاح وفجوة المنافسة

 

وجاء التحول نحو الانفتاح الاقتصادي في عامي 2024 و2025 بمثابة “صدمة هيكلية” إضافية. فبينما يُفترض اقتصادياً أن يحسن الانفتاح الكفاءة عبر المنافسة، ما حدث في الحالة السورية كان تحريراً “سريعاً” للتجارة عبر خفض الرسوم الجمركية وتوسيع دخول الواردات، دون توفير أرضية للمنافسة المتكافئة. والنتيجة؟ تدفق سلع مستوردة بأسعار تقل عن كلفة الإنتاج المحلي، ما خلق فجوة سعرية حادة لصالح المنتج الخارجي.

 

هذه الفجوة لم تكن نتاج تفوق تقني أو كفاءة إدارية فحسب، بل كانت انعكاساً لـ “اختلال هيكلي في التكاليف”، فالمنتج المحلي يرزح تحت وطأة ارتفاع أسعار الطاقة، واضطراب الإمدادات، وندرة التمويل، وتقلبات الصرف، بينما تدخل السلع المستوردة من اقتصادات مستقرة تتمتع بإنتاجية عالية وتكاليف طاقة مدعومة أو منخفضة.

 

في ظل هذا التباين، واجهت المنشآت الصناعية ما يُعرف بـ “ضغط هوامش الربحية”؛ إذ لم يعد ممكناً تسعير المنتجات بمستويات تغطي التكاليف وتحقق الاستدامة.

 

ومع انعدام القدرة على خفض التكاليف داخلياً نتيجة التضخم الجامح، وجد الصناعي السوري نفسه أمام خيارين أحلاهما مر: إما البيع بخسارة تستنزف رأسماله، أو الخروج من السوق بصفة نهائية، وهو ما يفسر موجة الإغلاقات الأخيرة.

 

غياب اليقين.. القاتل الصامت للاستثمار

 

لم تكن التكاليف هي العائق الوحيد؛ فالبيئة المؤسسية لعبت دوراً في تعميق الأزمة. إن عدم الاستقرار التشريعي وتغير القواعد الناظمة خلق حالة من “عدم اليقين”، وهو في فقه الاقتصاد لا يقل خطورة عن ارتفاع التكاليف؛ لأنه يشل القدرة على التخطيط الطويل الأمد ويشجع على تجميد النشاط أو الانسحاب.

 

خطأ التسلسل السياساتي

 

بالتحليل الاستراتيجي، لم يكن “اقتصاد السوق الحر” سبباً مباشراً للإغلاق بقدر ما كان “عامل تسريع”.

 

المشكلة تكمن في “تسلسل السياسات”؛ فالتجارب الدولية الناجحة تفرض تعزيز القدرة التنافسية المحلية أولاً (عبر دعم الطاقة والتمويل والبنية التحتية)، ثم فتح السوق تدريجيا، أما في الحالة السورية، فقد سبق الانفتاحُ التعافيَ، ما عرض قطاعاً هشاً لصدمة لم يمتلك الأدوات لامتصاصها.

 

لقد عمل الانفتاح هنا كآلية لـ “فرز قاسٍ”، أخرجت المنتجين من السوق قبل أن تتاح لهم فرصة التكيف، وإن إغلاق المعامل اليوم هو صرخة هيكلية تؤكد أن الصناعة السورية مكشوفة بالكامل أمام منافسة خارجية غير عادلة، في غياب سياسات “الحماية الانتقائية” أو الدعم الإنتاجي الموجه، مما يتطلب مراجعة فورية لمسار التحول الاقتصادي قبل أن نفقد ما تبقى من ركائز الإنتاج الوطني.

 

(أخبار سوريا الوطن-عن شبكة “السورية نيوز”)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

*حين تُخطئ الإدارة ويصبر الناس*

  م.نضال رشيد بكور بعد عامٍ من المحاولات ، يصبح السؤال مشروعاً : هل كانت المعالجات بقدر الجرح … أم أنها زادته عمقاً؟ ليس كل ...